ولا شك أن هذا من « ابن سينا » جهاد في غير عدو ، ومضيعة للوقت ، ومشغلة للقارئ ؛ وإيهام بالتغلب على الخصم ؛ فلم يقصد علماء الكلام إلى هذا المعنى الذي شرحه الفيلسوف ورد إليه [ التوقف ] ولفظ [ الاحتياج ] ، وإنما قصد بكل بساطة أن الحال التي أخذناها ، قد وجد قبلها أحوال - من غير أن يفترض ارتباط أصلا بين هذه الحال ، وتلك الأحوال ، بتوقف أو احتياج ، أو غيرهما ، سوى السبق الزمنى - لا تتناهى . فكيف انقضت هذه الأحوال ، وهي لا تتناهى ، وتناهيها أمر ضروري ، ليمكن مجىء دور الحال التي أخذناها ، وتناهى ما لا يتناهى تناقض ، والتناقض مستحيل ، والاستحالة على هذا الوجه ، تجعل قدم العالم مستحيلا ، إذ القول بقدم العالم هو الذي أدى إلى هذه الاستحالة .
وما يؤدى إلى المستحيل مستحيل .
و « ابن سينا » أجل من أن يخفى عليه ما في هذه المرحلة من لعب بالألفاظ فإذا ظن أنه يشغل بها البسطاء - مع أن ابن سينا قد صنف كتابه هذا للطبقة الممتازة ، ولكن الطبقة الواحدة يمكن أن يكون فيها طبقات - فإنه يعلم أنه يشغل بها غيرهم ، لذلك انتقل ابن سينا إلى مرحلة أخرى أكثر دقة ، وإن كانت هي الأخرى قاصرة عن بلوغ مرتبة اليقين ، قال :
[ بل أي وقت فرضت ، وجدته بينه وبين الأخير أشياء متناهية .
ففي جميع الأوقات هذه صفته ، لا سيما والجميع عندكم ، وكلّ واحد ، واحد ] .
ففي هذه المرتبة يلجأ « ابن سينا » إلى ما يسمى باصطلاح المناطقة ، إلزاما لا تحقيقا ، ومؤدى هذا الإلزام ، إفحام الخصم وإجباره على أن يتزحزح عن موقفه ، ويستسلم ، ولكن كل ذلك لا يؤدى بالباحث المنصف الذي يطلب الحق ولا يهمه أن يكون في هذا الجانب أو في ذاك ، إلى الرضى ، والإذعان ، والاطمئنان .
ذلك أن ابن سينا قد بنى هذه المرحلة على قاعدة قررها علماء الكلام في دليل من أدلتهم الثلاثة على قدم العالم التي رواها ابن سينا ، ونقلناها عنه فيما سبق ، وذلك حيث يقولون :
ميزان العمل — صفحة 122
مساهمون: الغزالي
ص١٢٢