تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان العمل — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
وهذا الموقف من « صاحب المحاكمات » يشبه موقفه السابق ، حين غفل عن أصل المقام ، وراح يحلق في جو خاص به ، ثم أراد أن يرغم عبارة « ابن سينا » على أن تكون معه في هذا الجو . إن التفرقة بين علم اللّه وعلمنا ، في أن لعلمنا قانونا خاصّا لا يخضع له علم اللّه ، أمر نقره ، لأننا لا نعرف عن حقيقة اللّه ما يتيح لنا الجزم بطريقة علمه ، فالتجاء « صاحب المحاكمات » إلى هذه التفرقة أمر نقره عليه ؛ لأنه يقع من نفوسنا موقع الرضى ، لكننا في هذا المقام ، لسنا في مقام التحدث عن نفوسنا ، وعما نرضاه وعما لا نرضاه ، ولكننا في مقام فهم نص لابن سينا في ضوء ما يراه ابن سينا ، في شأن الإله ، لا في ضوء ما نراه نحن . ولقد حاول ابن سينا أن يخضع علم اللّه لنفس النظم التي يخضع لها علم البشر ، فها هو ذا مثلا يقول : [ الصور العقلية قد يجوز بوجه ما أن تستفاد من الصور الخارجية ، مثلا ، كما تستفيد صورة السماء ، من السماء . وقد يجوز أن تسبق الصورة أولا إلى القوة العاقلة ، ثم يصير لها وجود من خارج . مثل ما تعقل شكلا ثم تجعله موجودا . ويجب أن يكون ما يعقله واجب الوجود من الكل ، على الوجه الثاني « 1 » ) وقد نقل الشيخ : محمد عبده ، هنا النص من الإشارات في كتابه الذي حققناه له ، وطبعناه تحت عنوان « الشيخ محمد عبده بين الفلسفة والكلاميين » « 2 » . وهذا يفيد أن علم اللّه يكون - كعلمنا - بصور منطبعة . ويروى « الشيخ محمد عبده » في نفس المقام قول « ابن سينا » في رسالة له اسمها « العلم » : [ العلم إنما هو حصول الصورة المعلومة . وهو مثال لأمر خارجي . وذلك مطرد في القديم والحادث . وعلم الباري تعالى ، مقدم على المعلول الخارجي .
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات ص 706 . ( 2 ) نشرته « دار إحياء الكتب العربية . عيسى البابي الحلبي وشركاه » ص 379 .