والمستقبل معلوم له على أنه مستقبل .
وأنه إذا كان هناك تفاوت - بالنسبة لعلومنا - بين هذه الأقسام بأن الحاضر أشد معلومية من الماضي ، والماضي أشد معلومية ، من المستقبل ؛ فلا تفاوت بين هذه الأقسام بالنسبة لعلم اللّه تعالى ، فالماضى والحاضر والمستقبل - أو في عبارة أخرى : الكائن ، وما كان ، وما سيكون - كل أولئك معلومات للّه بدرجة واحدة في الوضوح .
بدل قوله :
[ أن جميع الأزمنة حاضرة عنده ] .
لأن الحاضر جزء من الزمن يغاير الماضي ، ويغاير المستقبل ، فكيف يصبح الزمن الماضي والزمن المستقبل زمنا حاضرا ؟
إن العقل الذي منحنا للّه إياه ، يأبى ذلك ، فإذا كان للناس من عقل غيره فلا بأس أن يخالفونا ؛ فإن اختلاف الوسائل ، يسمح باختلاف النتائج .
* * * بقي أن نذكر اعتراض « صاحب المحاكمات » على « الطوسي » بخوص قوله :
[ فالصواب أن يؤخذ بيان هذا المطلوب من مأخذ آخر ، وهو أن يقال :
العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول ، ولا يوجب الإحساس به .
وإدراك الجزئيات المتغيرة ، من حيث هي متغيرة ، لا يمكن إلا بالآلات الجسمانية ، كالحواس وما يجرى مجراها .
والمدرك بذلك الإدراك يكون موضوعا للتغير لا محالة .
أما إدراكها على الوجه الكلى ، فلا يمكن إلا أن يدرك بالعقل . والمدرك بهذا الإدراك يمكن أن لا يكون موضوعا للتغير .
فإذن الواجب الأول ، وكل ما لا يكون موضوعا للتغير ، بل كل ما هو عاقل ، يمتنع أن يدركها - من جهة - ما هو عاقل - على الوجه الأول ، ويجب أن يدركها على الوجه الثاني ] .
فيعقب « صاحب المحاكمات » على هذا بقوله :
[ وأما أن إدراك الجزئيات المتغيرة من حيث تغيرها ، لا يكون إلا بالآلات الجسمانية ، فممنوع ، بل إنما هو القياس إلينا أيضا ] .
ميزان العمل — صفحة 102
مساهمون: الغزالي
ص١٠٢