ولما فعل ذلك صرن اليه عاجلا فنبه اللّه تعالى بذلك على أن الانسان وان اجتهد كل الاجتهاد في حذف هذه المعاني عن نفسه وتطهير ذاته منها لن يتطهر ما دامت البشرية الدنيوية حاصلة له ولن تحصل له الطمأنينة المطلوبة فأما ما يدعيه قوم أن من الناس من قد تجرد عن هذه الخصائص حتى يستغني عن الطعام والشراب ويصير بحيث لا تعتريه الأخلاق البهيمية فهذا إن حصل في بعض الناس فإن ذلك يكون حينئذ ملكا متشبحا يسمى باسم الإنسان على سبيل الاشتراك في الاسم فيكون متبدل الجوهر تبدل جوهر النار إذا صارت بردا وسلاما وتبدل الدعموص « 1 » إذا صار ضفدعا والدود إذا صار فراشا وكثيرا من النبات إذا صار جوهرا آخر وحيوانا كدودة القز وليس ذلك بمنكر في القدرة الإلهية وهو حينئذ خارج عن الاستصلاح للأفعال التي خلق الانسان لأجلها مستخلفا في الأرض مستعمرا فيها
فصل
اعلم أن من هاجر إلى اللّه وجاهد في سبيله فحقيق أن يهديه إلى سبيله كما وعد به في قوله تعالى :
( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) .
وقال
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا
إلى قوله :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا )
: والهجرة العظمى هجران فضول الشهوات والمجاهدة الكبرى مدافعة الهوى كما قال النبي صلّى اللّه عليه وآله : جهادك في هواك . فمن هدي إلى سبيله وأمعن في مسيره مسارعا في الخيرات ومسابقا إلى مغفرة ربه فحقيق أن يصير من الابدال ومعنى الابدال هم الذين يبدلون من أخلاقهم وأفعالهم الذميمة أخلاقا وأفعالا حميدة فيجعلون بدل الجهل العلم وبدل الشح الجود
هامش
( 1 ) الدعموص بالضم دويبة توجد في الغدران