( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ :
ومن بلّغه هذه المنزلة فقد آتاه لا شك من العلم والحكمة قدر ما يهديه ويؤدبه وعرف ما يمسكه فيستقيم كما أمر فيه فيعرف قدره ولا يتعدى طوره
الباب الثاني والثلاثون في إثبات المعاد وفضيلة الموت وما يحصل بعده من السعادة
لم ينكر المعاد والنشأة الآخرة الا جماعة من الطبيعيين أهملوا أفكارهم وجهلوا أقدارهم وشغلهم عن التفكر في مبدئهم ومنشئهم شغفهم بما زين لهم من حب الشهوات المذكورة في قوله تعالى
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا )
واما من كان سويا ولم يمش مكبا على وجهه لكونه
( كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا )
وتأمل اجزاء العالم علم أن أفضلها ذوات الأرواح وأفضل ذوات الأرواح ذوو الإرادة والاختيار في هذا العالم وأفضل ذوي الإرادة والاختيار الناظر في العواقب وهو الانسان فيعلم ان النظر في العواقب من خاصية الانسان وأنه لم يجعل تعالى هذه الخاصية له الا لأمر جعله له في العقبى والا كان وجود هذه القوة فيه باطلا فلو لم يكن للانسان عاقبة ينتهي إليها غير هذه الحياة الخسيسة المملوءة نصبا وهما وحزنا ولا يكون بعده حال مغبوطة لكان اخس البهائم أحسن حالا من الانسان فيقتضي أن تكون هذه الحكم الإلهية والبدائع الربانية التي أظهرها اللّه تعالى في الانسان عبثا كما نبه اللّه