الباب الحادي والثلاثون في قدر ما في الوسع من اكتساب السعادة
الانسان لما كان على هيئة العالم أوجد فيه كل ما أوجد في العالم وكما أن في العالم أشياء لا يتأتى اصلاحها وحيوانات لا يمكن تأديبها كذلك في الإنسان قوى لا يتأتى إصلاحها وتهذيبها وكان له مع ذلك مثبطات عما أمر به وتقصير عما كلف ولهذا قال اللّه تعالى :
( قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
. إلى قوله :
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ) .
فنبه على أن الانسان لا يكاد يخرج من دنياه وقد قضى وطره ولذلك يجب على الانسان أن يجتهد في أداء ما أمكنه ويطهر نفسه بقدر ما يتيسر له والرغبة إلى اللّه تعالى في تكفير ما قصر فيه ويتحقق أنه إذا فعل ما أمكنه فقد أعذر لقوله تعالى :
( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) .
فإذا فعل ما أمكنه يكون قد ترشح أن يزيل اللّه عنه باقي السيئات كما قال اللّه تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ )
وقال تعالى :
( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً )
ولهذا أمرنا تعالى أن نديم الدعاء بقوله
( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا )
وقال تعالى :
( وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ) .
فأمرنا أن نرغب اليه في إتمام ما قصرنا عن اكتسابه وقوله
( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ
إلى قوله :
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
ولهذه الجملة قال جعفر الصادق رضي اللّه عنه : من زعم أنه يصل إلى الحق ببذل الجهود فهو متعن ومن زعم أنه يصل اليه بغير بذل المجهود فهو متمنّ * ولقصور الانسان عن تزكية