تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
يَكْسِبُونَ )
فإن تمادى في ذلك واستمر أورثه ذلك غشاوة كما قال تعالى
( فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )
فإن ازداد أورثه ذلك طبعا وختما كما قال تعالى
( خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ )
وقوله
( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ )
فإن ازداد صار ذلك قفلا كما قال اللّه تعالى
( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها )
ثم إذا تمادى صار قلبه موتا قلما ترجى له حياة فلا تنفعه الآيات والنذر كما قال اللّه تعالى
( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) *
ومن حيث إن اللّه تعالى علم من أحوال من بلغ هذا المبلغ انه لا يتوب ولا يؤوب قال اللّه تعالى
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ )
فلم يرد تعالى انهم إذا تابوا لن تقبل توبتهم بل نبه بذلك على أنهم لا يتوبون فتقبل توبتهم فدل منتهى الفعل على مبدأه وهذا من كلامهم كقول الشاعر :
« ولا يرى الضب بها ينجحر » « 1 »
اي ليس بها ضب فينجحر فنفي انجحار الضب وهو في الحقيقة نفي لوجود الضب بها وعلى هذا دل قوله تعالى
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا )
اي لم يكونوا ليتوبوا فيغفر لهم وعلى هذا قال تعالى
( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )
تنبيها على أن هؤلاء هم الذين يرجى لهم التوبة . وعلى هذه الجملة المذكورة قال النبي صلّى اللّه عليه وآله إذا أذنب الرجل
هامش
( 1 ) جحر الضب دخل جحره وهو كل شيء تحتقره السباع والهوام بأنفسها . وجحر فلان الضب ادخله فيه فانجحر