تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
نكتت على قلبه نكتة سوداء فإذا أذنب ثانيا نكتت أخرى فلا يزال كذلك حتى يصير قلبه كلون الشاة الرمداء . وفي خبر آخر : الذنب على الذنب حتى يسودّ القلب فلا ترجى له الإنابة . وكذا حال الانسان فيما يتعاطاه من فعل الخير فإن من صبر في اقتراف الحسنة أورثه صبره حسنا كما وصف اللّه به الصابرين في مواضع من كتابه قال تعالى
( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً )
فإن استمر في ذلك بعض الاستمرار اهتز ونشط وانشرح به صدره كما قال تعالى
( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ) .
فان دام على ذلك امتحن وتطهر قلبه كما قال اللّه تعالى أولئك الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى ) ويكون كما وصفه في هذه السورة
( وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )
فان تزايد في فعله انضم إليه من اللّه تعالى باعث يهزه وداع يبعثه عليه كما قال اللّه تعالى
( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ )
فحق الانسان أن لا يسامح نفسه في الاجتهاد وأن لا يخل بخير تعوده ولا يرخص لها في شر ارتكيه فتعاطي صغير الذنب يفضي إلى ارتكاب الكبير والإخلال بقليل الخير يؤدي إلى الإخلال بكثيره كما قال الشاعر :
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه * وأول الغيث قطر ثم ينسكب
وقد نبه اللّه تعالى على ذلك بقوله
( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ )
فتبين ان قولهم للذين كرهوا ما نزل اللّه أدى بهم إلى الارتداد على أدبارهم وقال تعالى
( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا )
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 75 | الراغب الأصفهاني