تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً )
وقوله تعالى
( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ )
أي عرفناه الطريقين وكما أنه مفطور على اكتساب الامرين في ابتدائه مفطور على أنه إذا تعاطى أحدهما إن خيرا وإن شرا الفه فإذا الفه تعوده وإذا تعوده تطبع به وإذا تطبع به صار له طبعا وملكة فيصير فيه بحيث لو أراد ان يتركه لم يمكنه كما قيل : « وتأبى الطباع على الناقل » ويكون مثله كمثل شجر نبت فاعوج سهل في الابتداء تثقيفه وتسويته بخيط يشد فيه أو بخشب يفرش بجنبه فيسدد به . ثم إذا غلظ واشتد مستويا امن ان يعوج بل لا يمكن تعويجه وإن ترك حتى يعوج فيصلب على عوجه لم يمكن بعده تثقيفه كما قال الشاعر :
يقوّم بالثقاف العود لدنا * ولا يتقوم العود الصليب
وعلى هذا الوجه قال اللّه تعالى
( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ )
وقال تعالى
( وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) *
وقد توهم قوم ان لا اثر للتأديب والتهذيب فإن الناس مجبولون على طبائع لا سبيل إلى تغييرها فمنهم اخيار بالطبع ومنهم أشرار بالطبع واستدلوا بقول اللّه تعالى
( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ )
وقوله تعالى
( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ )
فنبه اللّه بهذا المعنى على أن كل انسان على حال لا سبيل إلى تغييرها وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كل ميسر لما خلق له . وقوله عليه السّلام : فرغ ربكم من الخلق والخلق والرزق والأجل . وبقوله تعالى
( وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )
وقوله
( إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ )
وقوله
( وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ )
والناس وان تفاوتوا في أصل الخلقة فما أحد الا
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 69 | الراغب الأصفهاني