واللّه هو الهادي . وأيضا فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان ولكون الشرع عقلا من خارج سلب اللّه تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن نحو قوله
( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) .
ولكون العقل شرعا من داخل قال في وصف العقل
( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ )
فسمى العقل دينا . ولكونهما متحدين قال
( نُورٌ عَلى نُورٍ )
أي نور الشرع ونور العقل ثم قال
( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ )
فجعلهما نورا واحدا فالشرع إذا فقد العقل عجز عن أكثر الأمور عجز العين عند فقد الشعاع .
واعلم أن العقل بنفسه قليل الفناء « 1 » لا يكاد يتوصل إلا إلى معرفة كليات الأشياء دون جزئياتها نحو أن يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق وتعاطي الجميل وحسن استعمال العدالة وملازمة العفة ونحو ذلك من غير أن يعرف ذلك في شيء شيء والشرع يعرف كليات الأشياء ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في شيء شيء وما الذي هو معدلة في شيء شيء ولا يعرفنا العقل مثلا إن لحم الخنزير والدم والخمر محرم وانه يجب أن يتحامى من تناول الطعام في وقت معلوم وان لا تنكح ذوات المحارم وأن لا تجامع المرأة في حال الحيض فإن أشباه ذلك لا سبيل إليها إلا بالشرع فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة ومن عدل عنه فقد ضل سواء السبيل . ولأجل ان لا سبيل للعقل إلى معرفة ذلك قال اللّه تعالى
( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )
وقد قال تعالى
( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ
هامش
( 1 ) الفناء بالفتح والمد النفع