تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
الآية فإنهم طلبوا من الدنيا ما ليس في طبيعتها ولا موجودا فيها ولها . وما أحسن قول الشاعر :
أريد من زمني ذا أن يبلّغني * ما ليس يبلغه في نفسه الزمن
وقال آخر :
مضى قبلنا قوم رجوا أن يقوّموا * بلا تعب عيشا فلم يتقوم
وضرب عرفوا الدنيا والآخرة وعلموا أن الدنيا كما قال اللّه تعالى :
( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ *
و
إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ )
وعلموا ان فيها يستقر الإنسان ويطمئن كما قال اللّه تعالى
( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً )
وانه يحتاج إلى أن يسافر إليها كما قال عليه السّلام : سافروا تغنموا . فاحتملوا المشقة علما أن كل تعب يؤديهم إلى راحة فهو راحة فسعدوا كما قال اللّه تعالى
( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ ) .
وقد جعل للإنسان حرثين مفيدين لزادين أحدهما روحاني كالمعارف والحكم والعبادات والاخلاق الحميدة وثمرته الحياة الأبدية والغنى الدائم والاستكثار منه محمود ولا يكاد يطلبه إلا من قد عرفه وعرف منفعته . والثاني جثماني كالمال والأثاث وفي الجملة ما قد نبه اللّه تعالى عليه بقوله :
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ )
وثمرته أن تحصل به الحياة الدنيوية الفانية ويسترجع من الإنسان إذا فارق دنياه ولا ينتفع منه بشيء إلا بقدر ما استعان به في الوصول إلى الزاد الأخروي كما نبه اللّه تعالى عليه بقوله
( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ ) .
ولا يولع بالركون إليها إلا من جهل حقائقها ومنافعها . والاستكثار منه ليس