يأته من الدنيا الا ما كتب له ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع اللّه تعالى شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة . وهذا معنى قوله عز وجل
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ )
ومعرفة ذلك والوصول اليه لا يمكن الا أن يستضيء العقل بنور الشرع معتمدا على من له الخلق والامر .
الباب الثامن عشر في تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما إلى الآخر
اعلم أن العقل لن يهتدي الا بالشرع والشرع لا يتبين الا بالعقل فالعقل كالاس والشرع كالبناء ولن يغني أس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أس : وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ولهذا قال اللّه تعالى
( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ )
وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فإن لم يكن زيت لم يحصل السراج وما لم يكن سراج لم يضيء الزيت قال اللّه تعالى
( اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ )