تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
بمذموم ما لم يكن مثبطا لصاحبه عن مقصده وكان متناولا على الوجه الذي يجب وكما يجب ومجعولا إلى الوجه الذي ينتفع به في مقصده لكن تناوله على هذا الوجه والاستكثار منه لا يتأتى الا إذا كان السلطان عادلا والأمور جارية على أذلالها « 1 » فيحفظ الناس معاملاتهم على مقتضى الشرع ثم يكون صاحبه إذا تناوله كما قال تعالى
( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ )
فإذا لم يكن الامر كما ذكرنا من الاستقامة فليس الا الاقتصاد والاقتصار والتبلغ بما أمكن حتى ينقضي السفر . والموفق في الدنيا إذا رأى نفسه قاصرة عن الجمع بين الامرين اهتم بما يبقى وأقلّ العناية بما يفنى وآثر الآخرة على الدنيا فلا يلتفت إلى الدنيا الا بقدر ما يتبلغ به إلى الآخرة مراعيا فيه حكم الشرع ومحافظا لقول اللّه عز وجل
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ )
وكما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ما أنا والدنيا انما مثلي فيها مثل راكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فنزل فقام في ظلها ساعة ثم راح وتركها . وقد نبه اللّه تعالى على حال من يريد ان يتجرد ويتخلص من حبالة « 2 » الدنيا على سبيل المثل بقوله
( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ )
ومحبة الدنيا - كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - رأس كل خطيئة . وقد روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : من سكن قلبه حب الدنيا بلي بثلاثة ، شغل لا يبلغ مداه ، وفقر لا يبلغ غناه ، وأمل لا يبلغ منتهاه . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : من كانت الدنيا أكبر همه فرق اللّه تعالى عليه همته وجعل فقره بين عينيه ولم
هامش
( 1 ) يقال أمور اللّه جارية على أذلالها أي مجاريها جمع ذل بالكسر ( 2 ) الحبالة ككتابة المصيدة