بما فوقه اي لا يعلمه ولا يخبر بشيء من أحواله غير إنّيّته فقط . فاما الاعلى منها فهو مطلع على ما دونه وعالم بحقيقته . ومثال ذلك ان الطبيعة لا علم لها بالنفس ولا خبر عندها منها الا من جهة حاجتها إليها وفيض تلك عليها . واما النفس فهي مطلعة على الطبيعة محيطة العلم بها ممدة لها من خيراتها . وكذلك حال النفس عند العقل ، وحال العقل عند الباري تعالى وتقدس ، ولهذا لا يعرف شيئا من الباري عز وجل الا انّيته . وانما عرفنا إنّيّته من حال حاجتنا إليه ولان العقل يرى الفيض عليه دائما من نحوه ونعرف حقيقة ما قلناه من حال النفس لأنها بحركتها وجولانها بالرويّة تطلب الوقوف على امرها ، فبينما هي في تلك الحركة إذ اتاها ما تطلب فكأنما أعطيت شيئا فأخذته من غير أن تعلم صورة من أعطاها وكيف أعطاها أكثر من أنها طلبت فأعطيت ، ولولا ان حركتها ربما كانت غير مستقيمة اعني انها تكون متشبثة بالهيولى فتتحرك حركة مضطربة كحركة المفلوج الذي يريد ان يتحرك يمنة وعلى خط فيتحرك على غيره ، لكانت ابدا مصيبة في كل ما ترى فيه ، ولكن ربما اتاها الخطأ من جهتها لا من جهة المفيض عليها كما بينا .
وإذ قد تبين هذا فانا نقول : ان هذه المقامات أيضا هذه سبيلها ، اعني ان كل مقام بحسب نسبته إلى ما فوقه غير مطلع عليه ولا عالم به ، فأما بالنسبة إلى ما تحته فهو محيط به مطلع عليه ، والفيض يأتي الكل بحسب استحقاقه ومنزلته ، فإن كل مقام من مقام الخيرة له نسبة بالمشاكلة إلى غيره ، فهو يلتذ بما يتصل به من النفوس التي لها
الفوز الأصغر — صفحة 79
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٧٩