ونفول : ان هذا القسم الروحاني من الموجودات من اجل انها ليست أجساما غير محتاجة إلى مكان فان اتصالها إذا اتصلت لا يضيق بعضها ببعض ، ولا يزيد فيها ولا ينقص اعني زيادة جسمية وانما عرض للأجسام ان يضيق بعضها على بعض ، إذ اتصالها اما ان يكون بالاختلاط ومجاورة الاجزاء . واما بالنهايات ومماسة السطوح وفي كلتا الحالتين تزداد مساحة لما يتصل بها وذهابها في الجهات الثلاث ، وإذ لم يكن هذا القسم الذي نحن في ذكره جسما ذا طول وعرض لم يعرض له ذلك . وانا ابيّن هذا المعنى بمثال حسي ليقرب من الفهم .
ان أنوار الكواكب وشعاعاتها لا محالة كثيرة ، وهي واصلة إلى الهواء واختلافها بحسب اختلاف ما تصدر عنه ، وليس يظن أحد انها تتضايق في الهواء ولو كانت اضعافا مضاعفة على ما هي عليه في أنفسها ، فلا تزداد مساحة ولا يضايق بعضها بعضا فهذا المثال مقنع في باب اتصالها .
فاما تميز بعضها عن بعض فانا نورد له مثالا آخر فنقول : انا قد بيّنا كيف اشتمال العقل على النفس ، وان هذه المراتب ولو كثرت فليس يظن أحد انها مختلطة أو متحدة بل لكل واحد منها حال غير حال الأخرى وان لم تكن جسمية ولا متصورة ، فإن العقل يميز بينها لتميزها في أنفسها وان لم يكن هذا التمييز مكانيا ولا جسميا .
وأيضا فإنك تجد لكل جزء من اجزاء البدن عدة قوى هي مجتمعة منها : القوة الغاذية والقوة الهاضمة والقوة الماسكة والقوة الدافعة ، وليس يظن بهذه القوى انها متحدة ولا متصلة ولا ان
الفوز الأصغر — صفحة 77
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٧٧