الفصل العاشر في كيفية حال النفس بعد مفارقتها البدن وما الذي يحصل لها بعد موت الانسان
قد بينا بالحجج القوية ان النفس العاقلة من الانسان باقية بعد موته ، وانها غير قابلة للفناء ، وإذا كانت باقية فلا بد ان تحصل على احدى حالتيها من سعادة أو ضدها ، وقد ذكرنا حال السعادة الا انها حال غير متصورة لنا الآن ، وليس يمكننا بالحقيقة ونحن بشر ان نقف على حقيقتها الا بالإشارة الخفية والإيماء البعيد والرموز وضرب الأمثال مما نشاهده من تغير تلك الحال من حالنا هذه وخروجنا من عاداتنا ، لا سيما وقد سمعنا اللّه تعالى يقول :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
. وسمعنا رسوله صلوات اللّه عليه يقول : « هنالك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . الا انا وان كنا عالمين بان تلك الصورة غير لائحة لنا وانا لا نلحظها إلا بعد الانسلاخ من اللبوس الانساني وبعد التصفي من الكدر الطبيعي وبعد مفارقة جميع ما نحن فيه وقطع العلائق كلها منه ، فلسنا نترك بلوغ ما يمكن بلوغه بحسب الطاقة البشرية ، وملاحظة هذا النبأ العظيم بما وهب اللّه عزّ وجل لنا من القوة الإلهية التي تدرك كل موجود بقدر طاقة المخلوق ، لا سيما وقد وطأنا لذلك