تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوز الأصغر — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
كلها على نظام في غاية الحكمة إلى عالم آخر ليس منها بسبيل ولا لها بشبيه ، بل هو روحاني بسيط مشتمل بالتدبير على جميع ما كان رآه في العالم الأول محيط به إحاطة تقدير وتصوير ، سار فيه سريانا روحانيا كسريان تلك القوى في الأجسام الطبيعية من غير حاجة إليها بل هي المحتاجة اليه ، ولولا انس الانسان بالعالم الأول واستبصاره فيه لما جاز ان يلوح له هذا العالم الثاني الذي هو بسيط بالإضافة إلى ما كان رآه ، فإذا انس بالنظر إلى هذا العالم أيضا وقوي بصره فيه شاهد أيضا فيه من عجائب الحكمة وآثارها ما هو الطف واغرب وأعجب مما كان شاهده ، ورأى ارتباط تلك الآثار بعضها ببعض وتدبير بعضها لبعض ، ولاح له منها عالم آخر ليس منها بسبيل ، ولا هو في شيء أكثر من أنه محيط بهذا العالم الثاني كإحاطة الثاني بالأول ، اعني انه غير جسماني ولا محتاج إلى مكان ، بل يشتمل عليه بالتدبير والتقدير كاشتمال الثاني على الأول ، ويمده بالقوى كامداد الثاني للأول ويسري فيه ذلك السريان اللطيف الذي يجري منه مجراه من الأول ، الا انه أشد بساطة منه ، فإذا انس أيضا بهذا العالم الثاني لاح له ثالث نسبته إلى الثاني كنسبة الثاني إلى الأول ، ولولا انسه بالعالم الذي قبله واستبصاره فيه ما لاح له هذا العالم الآخر ، وذلك أنه إذا شاهد أحوال هذه العوالم ورأى عجائب آثار الحكمة في واحد واحد منها ، ورأى حاجة ما كان منها مركبا إلى مركب له ارتقى منه بالضرورة إلى ما فوقه ليرى علته وسببه ، والعلة اشرف من المعلول وابسط منه ، فإن ظهر له في الآخر بعد