الاستقصاء في النظر تركيب واثر حكمة طلب علته ، ولا يزال كذلك حتى يرتقي بالحقيقة إلى واحد بالحقيقة لا كثرة فيه ولا علة ، وعلة أولى لا يتقدمها علة ، وبسيط بالصحة لا تركيب فيه ، ومستغن بنفسه لا حاجة به إلى شيء ، وممد بقوته لكل ما دونه وغير مستمد من شيء ، هو فوقه لان القوى الكثيرة تناهت إليه ، وهو أعلى منها ، ولم يجز ان يكون قبله شيء إذ الوحدة بالصحة والحكمة البالغة التي منها ينبع على الحكم كلها فيه وذلك ينبوع الوحدة البسيطة التي لا يشوبها كثرة بتة . فإذا انتهى هذا الناظر إليه ، ووقف بالضرورة عنده ، علم أنه المبدأ الأول الذي لا يتقدمه شيء ، ولم يجد له ولا فيه شيئا من صفات العوالم التي هو من معلوماتها ، وعلم أن جميع ما يطلق عليه من صفات مبدعاته وأسمائها كقولنا سبب وعلة وحكيم وجواد وما أشبه ذلك مما في طاقة البشر وقدرة الانسان انما هو مستعار ومجاز لأنه تعالى وتقدس موجد هذه الفضائل كلها ومبدعها ، وهو غيرها ، وهذا نهاية ما يمكن بلوغه بالعقل . ثم إن الناظر في هذه العوالم التي ذكرناها المرتقى فيها إلى هذه الرتبة يجد من اللذة بما يشاهده بعين عقله ما لا يشبهه شيء من اللذات الجسمانية ، ولا يدانيها ، لان تلك اراحات من الملائم ، وهذه جنس من اللذة الروحانية دائمة غير مفارقة لصاحبها ، لا يمكن ان تزول عنه ولا يقدر متسلط عليه ان يسلبها منه ، وان شاركه آخر فيها لم ينقصه ولم يضره بل تزداد لذته وتتضاعف بهجته ، ومن وصل إلى هذا الموضع أيضا فعلى رتب كثيرة ومنازل متفاوتة ، وربما سميت مقامات ، وليس يعرف كميتها الا من
الفوز الأصغر — صفحة 72
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٧٢