فإنه يجد ذلك من جهة الحكماء . وذلك انهم لما وجدوا جزئي الحكمة نظريا وعمليا رأوا النظري منها كثير الشبه التي توهم الحق وليست به ، وتقرب من الحق وان لم تكنه ، وقد شبهوا الحق بالعلامة التي في القرطاس للمرماة فإنها واحدة وكلّ يرميها ويقصدها ، والمصيب قليل والمخطىء كثير لكثرة النقط التي تقرب منها ، وكذلك مركز الدائرة وهي نقطة واحدة ومن يطلبها بالعين كثير ومن يجدها أقل القليل ، وذلك ان الامر المتباعد من الحق جدا لا يكاد يذهب على أحد ، واما ما هو بالقرب منه فهو كثير الاشتباه على من ليس بحاذق . وناقد الدينار ليس هو من يعرف الفلس ويفرق بينه وبينه ، ولا من يعرف المتبهرج الشديد البعد من الذهب ، ولكن من فرق بين الدينارين اللذين بينهما حبة واحدة فذلك حكم الحق وحاله مع الناظرين ، لان ما هو بعيد منه جدا فكل أحد يعرف بطلانه . واما القريب منه فهو المشتبه الذي يغلط فيه الكثير من النظار ، ويحتاج فيه إلى الحذق والمهارة والصناعة والرياضة فعمل لذلك آلة وصناعة تصير طريقا للسالك لا يغلط فيه ولا يبهم على أحد ، وهو صناعة المنطق ، وترسم بأنها آلة يفرق بها بين الحق والباطل في الأمور ، وبين الصدق والكذب في الأقاويل ، ثم جعلت هذه الآلة عيارا وقانونا فيما يسلك من طريق النظر ، ورتبت له الأمور الموجودة ، فجعل الأقرب الينا اعني الطبيعة أول ما نبدأ بالنظر فيه ، ثم نتدرج منه إلى غيره أول أول كما قلنا في صدر الكتاب ، ثم عمل بعد ذلك كتب في الحكمة العملية وهي كتب الاخلاق التي تتهذب بها النفس ، ثم في
الفوز الأصغر — صفحة 69
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٦٩