الفصل الثامن في أن للنفس حالا من الكمال يسمى سعادة وآخر من النقصان يسمى شقاوة
من ارتاض بما قدمنا له من الفصول ، واطلع عليها كنه الاطلاع ، وعلم أن للنفس جهتين من الحركة : إحداهما نحو ذاتها وهي التي تحرّكها نحو العقل الذي هو أول مبدع للّه تعالى ، والذي لا تنقطع مادة مباديه بوجه ولا سبب ، والأخرى نحو الآلات الطبيعية لتكمل الاجرام الهيولانية ، علم أن احدى الجهتين هي التي تسوقها إلى سعادتها وبقائها اللائق بها . والأخرى هي التي تحطها وتخرجها عن ذاتها . وقد اطلق الأوائل على هاتين الجهتين العلو والسفل ، ومعلوم انهم لم يريدوا بذلك حركة الجرم في العلو والسفل ولكنهم لم يستطيعوا غير ذلك في العبارة ، فاما الشريعة فقد عبرت عن هذا المعنى باليمين والشمال .
وبالجملة فان الجهة الأولى من الحركة كلما أمعنت فيها النفس توحّدت بها ، وتداخلت إلى ذاتها ، وتوجهت نحو باريها ومبدعها الواحد الذي به وجدت الوحدة في كل موجود وبه دام البقاء السرمد لما دام .
واما الجهة الأخرى من الحركة كلما أمعنت فيها تشبثت بها وتكثرت ، وخرجت بها عن ذاتها ، وحفّها من الشقاء ما تقتضيه هذه