تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوز الأصغر — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
الحال . ولذلك قال افلاطن : الفلسفة هي التدرب بالموت الاراديّ ، لان عنده ان الموت موتان ، والحياة حياتان ، إذ كانت احدى الحياتين بحسب هذه الحركة من النفس ، والأخرى بحسب تلك فوجب لذلك ان يكون الموت أيضا موتين لان كل واحد منهما يقابل صاحبه ، وهو يسمي الحياة التي بحسب حركة النفس الناطقة نحو العقل حياة طبيعية ، ويسمي الحياة التي نحو الهيولى حياة إرادية ، وكذلك الموت المقابل لها ولذلك قال : مت بالإرادة تحي بالطبيعة . وهذا كلام مختصر اللفظ وجيزه كثير المعنى شريفه ، فيحق على من أزاح اللّه علته ، وشق بصره اي بصيرته ، ان يقوي عزيمته على ما يسوقه إلى سعادته وحياته الأبدية بالقرب من باريه تعالى وتنزه ، ان يقمع شهواته ، ويردع نفسه بما وهب له من العقل عما يحطها إلى المهواة المؤذية ، اعني الميل إلى الدنيا ودواعيها التي ترديه وتميته وتشقيه بالبعد من باريه ، وتنكسه في الخلق وتحصله على العذاب الأليم . ولسنا نريد بهذه الوصية ترك الدنيا جملة ، والاضراب عن عمارتها دفعة ، فإن هذا رأي من لا يعلم كيف موضوع ، العالم ولا يدري ان الانسان أيضا خلق مدنيا بالطبع ، اعني انه لا يستغني في بقائه عن المعونات الكثيرة من الناس الكثيرين ، وانه يعين غيره كما يعينه غيره لتتم الحياة الصالحة له ولهم ، ومعنى هذا الكلام وقولنا ان الانسان مدنيّ بالطبع انه لم يخلق الانسان خلق من يعيش وحده ويتم له البقاء بنفسه كما خلق كثير من الوحش والبهائم والطير وحيوان الماء ، لان كل واحد من تلك خلق مكتفيا بنفسه غير محتاج
الفوز الأصغر — صفحة 64 | أحمد بن محمد مسكويه الرازي