عيشته على خلاف سبيل الحيوان كله قيل إنه مدني بالطبع اي محتاج إلى ضروب المعاونات التي تتم بالمدنية واجتماع الناس فيها ، وهذا الاجتماع للتعاون هو التمدن سواء كان ذلك في الناس وبرا ومدرا أو على رأس جبل .
فمن العدل اذن ان نعين الناس بأنفسنا كما أعانونا بأنفسهم ، ونبذل لهم عوض ما بذلوا لنا ، فان الطائفة التي تجاهد وتذب وتفرغ أنفسها للرياضة في الحرب حتى لا تشتغل بغيرها يجب على أصحاب المهن الذين انما تم لهم الامن والدعة بأولئك ان يعاونوهم بمهنهم ، كما يجب على هؤلاء إذا كفاهم أهل المهن حاجاتهم ان يحاموا عنهم ويقاتلوا دونهم ، وكذلك من اثر لغيره اثرا يجب على ذلك الغير ان يكافئه عليه ويعوضه عنه .
فاما من ذهب إلى التزهد ، وحرّم المكاسب ، فإنه يضطر إلى استعمال الجور لأنه يستنجد الناس لا محالة في ضرورات بدنه وحاجاته إلى ما يقيمه ، ويطلب معاونتهم ثم لا يعاونهم فهذا هو الظلم والعدوان . فان ظن منهم ظان ان مقدار حاجته قليل فليعلم ان ذلك القليل يحتاج فيه إلى استخدام عالم كثير من الناس لا يحصون ، وان كان لا يشعر بذلك .
فمن الواجب على كل أحد ان يبذل معونته على شريطة العدل :
ان عاون كثيرا طلب كثيرا ، وان عاون بالقليل طلب قليلا ، ولست اعني بالقليل والكثير الكمية بل الكيفية وحسن الموقع والغناء ، فإن المهندس بقليل نظره يغني ما لا يغنيه الذي يتعب ببدنه أياما
الفوز الأصغر — صفحة 66
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٦٦