النفس وحاكتها أتم حكاية في استطاعة الشيء المجسم . وذلك ان السماء ساكنة من وجه ومتحركة من وجه ، ومن ثم صار حياتها أتم واشرف من حياة ما هو دونها اعني عالم الكون ، لأن هذه الحركات مستفادة من النفس بتوسط الفلك ، وكل ما تباعد المعلول من علته وكثرت الوسائط بينهما انحطت مرتبته ونقص شبهه ، وإذ قد انتهى بنا الكلام إلى هذا الموضع فقد وجب ان نرتقي فيه إلى أن نعود إلى موضعنا الذي كنا فيه فنقول :
ان حركتنا مستفادة من حركة الفلك ، وحركة الفلك مستفادة من حركة النفس ، وحركة النفس هي الجولان والدورية ليتم ذاتها بالعقل المستغني بذاته وما يلحقه من الفيض الدائم إذ كان أول مبدع للباري عز وجل ، وانما لم يتحرك العقل وان كان ناقص الوجود عن مبدعة ، لان الحركة انما تكون لأجل التمام ، ولما كان غير ممكن في المعلول ان يكون مثل العلة في التمام لم يتحرك ، ولو تحرك لكانت الحركة باطلة ، والعقل لا يفعل باطلا ، فتمام النفس هو تصورها بالعقل ، وتصورها به يتم بالحركة ، والحركة ذاتية لها وهي حياتها وهي المسماة كلمة ومثالا وبزرا ابرزه الباري ، وهو الذي يحفظه عليه سرمدا . وان ارتقينا من هذا الموضوع ازداد الكلام غموضا فلنقتصر على ما ذكرناه .
الفوز الأصغر — صفحة 62
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٦٢