بضعفه وأوردنا نص كلام الفيلسوف . فاما قوله في آخر الكلام الذي حكيناه عنه اعني قوله - فهذا وحده يمكن ان يفارق كما يفارق الأبدي الفاسد - فأما سائر اجزاء النفس فظاهر من امرها انها ليست مفارقة كما يدعي قوم ، فإن هذا رأي الفيلسوف ورأي جماعة من الحكماء في اجزاء النفس واعني بالاجزاء الانحاء التي شرحناها الا انها لا تتجزأ كما تتجزأ الأجسام ، ويعني بهذه الاجزاء الجزء المسمى نفسا غضبية والجزء المسمى نفسا شهوانية ، لأن هذه تموت بموت الانسان اي تبطل وتتلاشى ، وكذلك قوة الذكر وأشباهها .
وذلك ان هذه قوى هيولانية لا يتم فعلها الّا بآلة بدنية ، وانما احتاجت النفس إليها لتتم الحياة للبدن مدة طويلة . ولما صدرت هذه الأفعال عن النفس مختلفة وبآلات مختلفة سمي كل فعل منسوب إلى آلة نفسا . لان صدور ذلك الفعل ابدا من نحو تلك الآلة .
ومثال ذلك ان صدور الشهوة التي هي لاستمداد الغذاء ليعتاض به عما تحلل من البدن انما هو من نحو الكبد . وصدور الغضب انما هو ليدفع به الحي عن بدنه ما يؤذيه انما يكون من نحو القلب . وصدور الفكر والتخيل انما يكون باجزاء الدماغ . ولما كانت هذه الآلات آلات للنفس استخاروا ان يسموها نفسا . ومستعمل الآلة اشرف من الآلة لأنه هو المهندس لها ، فإن كانت الغايات التي تتم بتلك الافعال شريفة بالغة أكمل اغراض الحكمة دل على حكمة المستعمل للآلة وعلى شرفه . واما ذات النفس الناطقة فقد بان مما تقدم ان لها فعلا خاصا وحركة ذاتية لا يستعمل بها شيء من الآلات بل الآلات كلها
الفوز الأصغر — صفحة 54
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٥٤