ولو كان لهذا العقل صورة يختص بها لم يكن قابلا لكل حقيقة على التمام ، ولا كان قبوله إياها بالسوية ، بل كان قبوله لما يجانسه أيسر وأوفر ولما يباينه أصعب واندر . ولما كانت النفس العاقلة عادمة لكل صورة تصورت بكل معقول وقبلته قبولا واحدا بالسوية .
ولأجل ذلك قلنا إنها بسيطة لان ما عدم كل صورة فهو بسيط إذ المركب هو ما يتركب من موضوع وصورة . ومن هذا الموضع يتبين ان النفس ليست جسما ولا عرضا لأنها لو كانت جسما لكانت مركبة وذات صورة وقد أبطلنا ذلك . ولو كانت عرضا لكانت صورة هيولانية ودخلت تحت مقولة من المقولات التسع وقد أبطلنا ذلك أيضا . وقد فرغنا من ذكر الأشياء التي تشترك فيها جهتا العقل والحس .
واما التي تتباين فيها فهي هذه : من شأن الحس ان يفسد عليه المحسوس القوي ، كالعين فإنها تكل وتضعف من الضوء القوي والأشياء النيرة التي تفوق قوتها . والسمع فإنه يكل ويضعف من الأصوات الهائلة التي تفوق قوته وكذلك باقي الحواس . فاما العقل الذي نحن في وصفه - اعني العقل الانساني - فإنه يقوى بكثرة المعقولات القوية وبمداومة النظر إلى الصور المتعرية من الهيولى جدا ، ويصير كاملا عاقلا بالفعل . وكلما قوي عليه كان أقدر على تصور غيره . وأيضا فان من شأن الحس إذا انصرف عن المحسوس القوي إلى المحسوس الضعيف لم يمكنه ادراكه ، كالشمس إذا حدق المحدق إليها ثم انصرف عنها لم يمكنه ادراك ما بين يديه . فاما العقل فإنه إذا
الفوز الأصغر — صفحة 49
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٤٩