لأجل القوة المتخيلة فكما ان الأمور الهيولانية إذا ارتقت إلى العقل سلخ عنها الصورة التي كانت لها كذلك الأمور العقلية إذا انحطت إلى الأمور المتخيلة ركبتها وألبستها صورا هيولانية ملائمة لها ، فإذا شاهد الانسان هذه الحال ولاحظ تلك الأمور لم يشك في صحتها وخضعت لها نفسه واعترفت بها لأنها هي الأمور التي كانت تطلبها بالحركة والروية والجولان . وكما انها إذا اصابته بالرؤية لم تشك فيها كذلك إذا اتت هي اعني الروية منحطة إليها لم تشك فيها وهذه رتبة واسعة العرض تتفاوت فيها درج الأنبياء صلوات اللّه عليهم ومنازلهم فربما ظهر لهم من الأمور ظهورا بيّنا وربما كان فيه غموض فيلوح لهم ما يلوح وكأن عليه سترا ومن دونه حجابا . وكذلك حال ما يرونه من الأمور المستقبلة في عالمنا هذا من الفتن والحروب وغيرها فإنهم ربما رأوا الشيء الذي يكون له إلى مائة سنة فقط وربما بلغ نظرهم إلى الف سنة وانهم عليهم السّلام يحتاجون لمن يسمعه إلى الرمز وضرب الأمثال ليقرب من الافهام وليخرج كلامهم عاما يفهمه جميع طبقات الناس ويشتركون في الانتفاع به ويأخذ كل واحد منهم نصيبه وحظه على قدر منزلته . فإذا علم في بعضهم فضلا من الفهم خصه بالزيادة بقدر ما يعلم من احتماله . فقد علمنا يقينا ان ما كان يلقيه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه وإلى من تقرب منزلته في التحصيل لم يكن ليلقيه منه إلى أبي هريرة ومن كان في طبقته وكذلك ما كان يخص به ذوي الأحلام والفهم من العرب لم يكن ليعم به جفاة الاعراب والهجع من الناس لان العلم يجري من
الفوز الأصغر — صفحة 103
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص١٠٣