بواحد من الناس أكثر مما فيه من العقل فينقاد له وربما أوهم الشرير ومن يحب الترأس والغلبة ويؤثر التسلط والكرامة على غير استحقاق اثرا من اثار العقل بتصنع شديد وفي مدة طويلة فيتم ما يريد فقد بان ما أردنا بيانه من مرتبة العقل وانه ملك مطاع بالطبع وان جميعها دونه تخدمه وتعبده وتسعد به لأنه ذاتيّ غير متصنع له . فأما ضروب التصنع وما يقع من جهة الاتفاق والبخت فليس مما يبحث فيه وله موضع اخر ان اقتضاه الكلام تكلمنا فيه . وانما أفردنا هذا الباب لندل به على أن من شاهد أحد الأنبياء صلوات اللّه عليهم من أهل زمانهم يرون فيه من اثار العقل ، ورجحانه ما لا يظهر لنا بالاخبار فيتبعونه وينقادون له بالطبع ، وكذلك يبصرونه ببصائر وقّادة ويبذلون فيه المهج والأموال ويعادون به الاهلين والأولاد ، ويهجرون بسببه الملاذ والشهوات ويهابونه مع ذلك فوق هيبة الملك المتسلط بالمال المتغلب بالجند والحشم المتحشد بسباع الناس الذين يخدعهم بإباحة الشهوات والتمكن منها وذلك لما ذكرنا من مهابة الناس والحيوان لمن له رتبة زائدة عليهم في العقل واثر من اثاره عليه . وليس لمعترض ان يعترض علينا بمن عاند وتكبر وكذب الأنبياء عليهم السّلام ولم يتبعهم لأنه يعرض في جميع الأشياء التي في الطبع ان يتكلف متكلف العدول عنهم بالاختيار السيء ولغرض من الاغراض ولا سيما إذا كان ذلك الغرض عن باعث قويّ من حسد أو محبة لرياسة أو خوف من فوت شهوة أو غير ذلك من ضروب الشر . وربما كان الانسان مطبوعا على امر من الأمور فيتكلف ضده
الفوز الأصغر — صفحة 106
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص١٠٦