الفصل الرابع في كيفية الوحي
من فهم جميع ما رتبناه فيما تقدم وحصّله علم أن المقام الذي انتهينا اليه غاية شرف الانسانية والأفق الاعلى منه ، فإذا بلغه الانسان كان متعرضا لاحدى منزلتين اما ان يرتقي فيه ابدا ترقيا طبيعيا ومعنى ذلك ان يديم الفكرة مدة حياته في جميع الموجودات لينال حقائقها بقدر طاقة البشر فيقوى هاجسه ويحتد نظره وتلوح له الأمور الإلهية فيتقرر في نفسه وتلوح أوضح الأمور الأوائل التي تسمى بدائه العقول ، ولا يحتاج فيها إلى قياس برهاني لأن البرهان هو تدرج من الأوائل ، وهذا التلوح في العقل أعلى منه وأنور وابهى وسنقول في ذلك ما نزيده وضوحا إذا بلغنا اليه . واما ان تأتيه تلك الأمور من غير أن يرتقي فيها بل تنحط تلك اليه لاتصالها .
ومثال ذلك : ان الانسان إنما ارتقى من قوة الحس إلى قوة التخيل إلى قوة الفكر ، ومن قوة الفكر إلى ادراك حقائق الأمور التي في العقل وذلك ان هذه القوى متصلة اتصالا روحانيا كما بينا فيما مضى فربما عرض لها من قوة قبول بعضها من بعض الآثار ان تنعكس في بعض الأمزجة منحطة كما تصاعدت على سبيل الفيض ، فيؤثر حينئذ العقل في القوة الفكرية وتؤثر القوة الفكرية في القوة