العهد بالقلب فيرتفع منه بخار لطيف يحصل منه في فضاء العرق الاجوف الخالي من الدم . وكلما ارتفع لطف هذا البخار حتى يحصل منه في الدماغ فيتشعب إلى عروق دقاق كثيرة شبيهة بالشعر في الدقة ثم تتفرق في الدماغ فيعتدل برده بحرّه ويعتدل هو أيضا ببرد ذلك ويصير منه ما يسمى روحا وبحسب صفاء هذا الروح وتهذبه في آلاته يكون صدور قوى النفس عنه واستعداده لقبول اثارها من الحس والفهم ، وتنتشر الطبيعة حينئذ من الدماغ اعصابا يكون بها الحس والحركة الإرادية في جميع البدن وبها يتميز الحيوان من النبات فمنها العصبة الجوفاء التي تنقسم إلى ثقبي العينين وينفذ فيها ذلك الروح وقد تهذب غاية تهذيبه ولطف جدا فيكون به البصر .
ومنها التي تأتي الاذن فيكون بها السمع وكذلك الباقيات فإذا حصل في كل واحدة من الحواس اثر من المحسوس تأدى منه إلى الحس المشترك وهو قوة من قوى النفس في أفق هذا الجوهر اللطيف من الجسم تقبل هذه الآثار كلها . وكما أن كل حس من الحواس الخمس يختص بنوع من المحسوس فيقبل اثاره ثم يميز اشخاصه فكذلك الحس الجامع المشترك يقبل الآثار من الحواس كلها ثم يميز بينها . الا ان الفرق بينهما ان الحواس الخمس انما تقبل الصور بأن تحصل فيها آثار الجزئيات من المحسوس شيئا بعد شيء .
واما الحس المشترك فإنه يقبل الصور من الحواس في دفعة واحدة من غير أن يتأثر منها بما يحصل فيه من تلك الصور لأنه في نفسه صورة والصورة لا تقبل الصورة على طريق التأثر بل على
الفوز الأصغر — صفحة 98
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٩٨