طريق واحد وبنحو واحد أعلى واشرف ، وكذلك تدرك الجميع بلا زمان ولا تجزئة ولا انقسام ولا تختلط الصور هناك ولا تتزاحم كما تتزاحم في الأجسام ، وترتقي هذه القوة إلى قوة تسمى المتخيلة وربما ظن أنهما واحدة . وهذه القوة يظهر فعلها بجزء من الدماغ المقدم ثم ترتقي إلى قوة أخرى للنفس هي الحافظة وهي كالخزانة التي تحفظ فيها الأشياء الكثيرة ليستحضر منها ما يحتاج اليه إذا امتد الزمان بها وهذه القوة يظهر فعلها في الجزء المؤخر من الدماغ . وهناك قوة أخرى للنفس وهي قوة الفكر تقع فيها حركة الرؤية والتوجه نحو العقل . ويختص بهذه القوة الانسان دون سائر الحيوان ويظهر فعلها في البطن الأوسط من بطون الدماغ وليس للحيوانات الباقية هذا الجزء من الدماغ وانما لها تلك القوتان في تينك الجزئين فقط ولذلك لا روية لها ، فإذا حصلت تلك الصورة في هذه القوة حتى تقبلها وتنظر فيها فقد ارتقت إلى أفق الانسان . وفي هذه المرتبة تظهر الانسانية وعلى قدر هذه الحركة واستقامتها وصحة نظرها وتميزها تكون مرتبة الانسان وتميزه عن البهائم وعلى قدر استكمالها بالحركة وقبولها اثر العقل يكون مقداره من الانسانية . فإذا جعل الانسان سعيه بما يستفيده من حواسه ان يرقيها إلى هذه القوة ويتحرك ابدا في طلب أسبابها ومباديها الأول وأعطاه حينئذ العقل حقائقها فاستكملت صورة الانسانية فيه وتصورت نفسه بحقائقها الأشياء ، وتلك الحقائق هي أبدية الوجود غير داخلة تحت الكون والفساد ولا تحت المدة والزمان لأنها بسائط ومبادي فتصير محاولات هذا الانسان
الفوز الأصغر — صفحة 99
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٩٩