رضى لنفسه بمثل هذه الحال فقد صار ظالما لها « 1 » ، لأنه يستفسد جوهرا خلقه اللّه تعالى لأشرف الأغراض وأجلها ، ويظهر من نفسه أنه ليس بمستأهل للإحسان « 2 » إليها ، وهذه هي الشقاوة « 3 » التامة . فالسعادة إذن بالضد من هذه الحالة . فالسعيد إذا من عرف جوهره ، وعرف كماله الأخص به « 4 » ، وصرف سعيه إلى تحصيله ، فيصبح ملتذا بجوهره ، مغتبطا بما أوتيه من فضيلة ذاته ، مسعودا بما يناله من الزلفى إلى من له الخلق والأمر والطوبى في بقاء « 5 » الأبد .
وليس يظفر بهذه المرتبة إلا من أيقن أنه لا راحة لمن تعجل الراحة ، ولا لذة لمن انهمك في اللذة ، ولا مهنأ لمن أولع بطلب الثروة ، ولا عز لمن تذلل في طلب الرياسة ، ولا ملك لمن كان عبدا لشهواته ، ولا شرف لمن صار آلة لبطنه وفرجه ؛ ولم يبلغ التمام من لم تكن سيرته على نظام .
فصل [ قوام الشريعة بالحكمة ]
كما أن قوام البدن بالطبيعة ، وقوام الطبيعة بالنفس ، وقوام النفس بالعقل - كذلك قوام المدن بالملك ، وقوام الملك بالشريعة ، وقوام الشريعة بالحكمة لأنها تصدر عن الحكيم العليم . فمتى « 6 » ظهرت الفاحشة في المدينة فارقتها الحكمة ، ومتى فارقتها الحكمة خذلت الشريعة ، ومتى خذلت الشريعة زالت زينة الملك ، ومتى زالت زينة الملك حطت الفتنة أعلام المروءة ، وعثرت بذوي النعم [ 154 ا ] عواثر النقم . وقوة فكر الملك أبلغ « 7 » في حراسة الملك من قوة الجند . والجهل في مبادئ الأمر يضر في عاقبتها وفي كل ما يتبعه ؛ والجهل في أواخره « 8 » يقتصر في مضرته على الشئ المجهول .
هامش
( 1 ) لها : ناقصة في ص .
( 2 ) س : للانسان .
( 3 ) س : السعادة .
( 4 ) به : ساقطة في س .
( 5 ) ط : ببقاء الأبد / س : ببقاء الأدب .
( 6 ) س : فمن .
( 7 ) س : من .
( 8 ) س : أوائله .