المثوبة ، وأنه لا شئ أسرع إلى الفساد من عقل المعتنى بها ، وذلك لفرط لطافتها ودقيق صفاتها . على أنه لو لم يكن في اقتناء الحكمة إلا [ 153 ا ] اكتساب اسمها الشريف على الأبد ، وإلا التفصي « 1 » من عار الجهالة وشين الغفلة للزم العاقل أن يتمسك بها وينفض « 2 » شغله « 3 » على استيفاء الحظ منها . فكيف وقد علم أنها « 4 » مفضية بأربابها إلى الخلود ، ومدفعة عن نفوسهم روعة الهلاك ، وجاعلة همومهم كلها هما واحدا ، ومؤدية لجواهرهم إلى خصائص كمالاتها .
وللإنسان « 5 » استكمالان : استكمال طبيعي ، واستكمال نطقى . وأما « 6 » الاستكمال الطبيعي فسيتحد به طبعا ، وأما الكمال النطقي فليس يفوز به إلا من صدقت عنايته بنفسه في معاناة الأمور المختارة بالذات علما وعملا . ولهذا قيل : إن وجود الكمال المطلق للأشياء المحصلة بالعقل ليس بمتبع لحصول أنياتها « 7 » ، بل هو نافع لخصائص أفعالها وانفعالاتها . ولذلك شبهوا الكمال الطبيعي بصورة الحيوانية في الدجاجة والفرخ ، وشبهوا الكمال النطقي بصورتها في البيضة والبزر « 8 » بل لهذا ما أحوجوا في الكمال النطقي إلى معونة من خارج حسب احتياج البيضة « 9 » إلى حاضن يسوقه نحو كماله الأخص . ولولا ذلك لما افتقر كل واحد من البشر في عنفوان نشوئه وابتداء جبلته إلى متعطف بالعناية الصادقة عليه ليسلخه بالتدريج عن حالته الطبيعية إلى كماله النطقي ، أعنى الحالة التي يستغنى لها بجوهره عن معنى من خارج « 10 » ، فيهتز عند ذلك بنفسه إلى درك كماله « 11 » حتى يصير إنسانا بالفعل ، أعنى بالهيئة الحقيقية ، لا بالصورة التخطيطية .
هامش
( 1 ) س : عين . . . وشين الغلة .
( 2 ) ص : ينقص .
( 3 ) س : عن .
( 4 ) س : منقضة .
( 5 ) الواو ناقصة في ط وس وف ، ومضافة في ص .
( 6 ) ط : فأما / س : فالاستكمال .
( 7 ) جمع أنية - ، أو جمع آنية - - الوجود .
( 8 ) ص : والبرز - والبزر ( بالزاي ) : كل حب يبذر للنبات ، والجمع :
بزور .
( 9 ) كذا ! والأولى أن تكون : البيض .
( 10 ) س : مخارج .
( 11 ) س : كما يصير .