الإلحاد هو العدول عن الحق ، إما باللجاج والمعاندة ، وإما بالعادة والاقتداء بالغواة من الجمهور ، وإما بالقصور عن النظر . والفاضل من اطرح العناد وترك تقليد غيره ونظر لنفسه .
إن كان الانفعال الجسدانى - كالشهوة والغضب والخوف والخور - أبلغ شاغل للعقل ، وكان الاعتصام بمن له الخلق والأمر وبه الحول والقوة أبلغ ما يتقوى به العقل ، فبالحري أن يكون الدعاء الخالص حصنا حصينا من النقائص [ 152 ب ] . والمقدم صادق ، فالتالي « 1 » إذا صادق .
كل من لم يقو على معالجة العالم إذا مرض وحفظه على صحته إذا برئ ، فليس يستحق إمامة العالم إلا من شيئين : أحدهما الملك التغلبي ، والآخر التجاذب الهرجى . فأما الملك التغلبي فهو قبيح بذاته ، ويتراءى للنفوس الفاسدة أنه « 2 » حسن . وأما التجاذب الهرجى فهو مؤلم بذاته ، ويتراءى للنفوس الشريرة أنه ملذّ . وعلاج أمر « 3 » الاثنين الإقبال على اللّه والتمسك بدينه القويم . ومهما نقه العالم من مرضه فقد صارت الولاية للقوة التدبيرية ، فاستجرت بها الأنفس إلى الفضيلة الحقيقية .
من أيقن بشرف الحكمة ثم شاهد جماعة ، ليسوا من أهلها ، أغبط عيشا في هذه الدنيا ممن هو من أهلها ، فقد اضطره الرأي إلى أن يوجب الشرف للغبطة في الدار الأخرى . ثم إذا كره الموت الذي هو المعبر إلى نيل تلك الغبطة فكأنه كره الرفعة التي لأجلها حرص على اقتناء الحكمة ، وخصوصا إذا علم أن نعيم الدنيا - أعنى المال والرياسة والأتباع والحاشية - شواغل عنها ، وأنه جدير أن يرفض عامة ما يعوقه عن اقتنائها ، وأن يقيم جسده مقام الثغر الذي فيه تقاتل النفس القوية أعداءها المعترية : كالحرص والشهوة والغضب وغيرها ، ليفوز عند الظفر « 4 » عليها بالكنوز والكرامات المعدة لها ، وأن يعلم أنه لا شئ أنفع له من صيانة النفس عن هذه الآفات ، وأن الحكمة في ذاتها عاجلة المؤونة آجلة « 5 »
هامش
( 1 ) المقدم والتالي : هما قسما القضية الشرطية .
( 2 ) أول ورقة 178 ا في ط .
( 3 ) س : أمره .
( 4 ) ط : القدرة ، وكذا في س .
( 5 ) ص : ثم آجلة .