ليس يكون المرء عارفا بذاته إلا بعد أن يتحقق مبدأه ويتحقق منتهاه ويتحقق الواسطة بينهما . فأما التحقق لذاته بحسب المبدأ فيتعلق بتعرف أربعة معان وهو أن يعلم : ما ذا هو ، ومن جاء « 1 » به ، ومن ما ذا جاء به ، وكيف كان مجيئه .
وأما التحقق لذاته بحسب المنتهى فيتعلق بأربعة معان ، وهي : أن يعلم لما ذا هو ، وكيف السبيل إليه ، وما الذي يحتاج إليه في التوجه نحوه ، وما الذي يعوقه عنه وعن بلوغه . فأما « 2 » التحقق لذاته بحسب الواسطة بين مبدأه ومنتهاه فيتعلق بأربعة معان ، وهي : « 3 » أن يعلم مرتبة شخصه من الجوهر الإنسى ما ذا هي ، وأن قسطه من خاص مرتبته أي قسط هو ، وهل « 4 » هو على الزيادة فيها أو على النقصان « 5 » منها ، وثابت عليها أو مترجح فيها . وإن الإنسان متى علم أن الشئ مما يجب أن يعلمه وليس يعلمه ، فقد صار المغفول « 6 » عنه محروصا عليه .
إذا سعد العبد بوصال مولاه على الحقيقة فقد صارت [ 145 ب ] دنياه آخرته وموته حياته ، وفقره غناه ، ومرضه صحته ، ونومه يقظته ، وضعفه قوته ، وحزنه فرحه « 7 » . وإذا شقى العبد بانقطاعه عن مولاه فقد انقلب به الأمر في كل ما ذكرناه إلى الضد « 8 » ، وبالعكس . وإن العبد « 9 » لن ينال الغبطة بوصاله إلا بأربعة مدارج : أولها الاهتمام ، ثم التعرف لطرقه ، ثم السلوك إليه ، ثم التمسك به .
كما أن نور الدين جعل لذوي السياسة مركبا ، كذا « 10 » نور التنزيل جعل للحكماء مركبا ، ونور الإلهام لذوي التدبير « 11 » مركبا ، ونور « 12 » التوفيق جعل لذوي الاجتهاد مركبا ، ونور الحرية لذوي الجود مركبا .
هامش
( 1 ) ومن جاء به : ناقص في ص . د في س : ومن جلبه ، ومن ذا جاء به .
( 2 ) ص : وما - وكذا في س .
( 3 ) ط : وهو - وكذا في س .
( 4 ) هل : ناقصة في س .
( 5 ) وفيها : ناقصة في ص ، وكذلك : منها .
( 6 ) ط : المعقول - وهو تحريف ظاهر .
( 7 ) وحزنه فرحه : ساقطة في س .
( 8 ) س : الصدر .
( 9 ) س : العبد كلما .
( 10 ) س : كما .
( 11 ) ط : السياسة .
( 12 ) ونور التوفيق . . . مركبا : ساقطة في س .