لتذوب لها نفوسهم ، ويحترز مع ذلك من دسيسهم ويحتال لظهور حسدهم فيه وفي غيره من الناس ليعرفوا بذلك .
فأما سائر الناس الذين ليسوا بصديق ولا عدو ولا متصنع فهم طبقات سنذكر جلّها وجلّ ما ينبغي للمرء أن يستعمل مع كل طائفة منها .
فمنهم النصحاء الذين يتبرعون بالنصيحة . فالواجب على المرء أن يتفرغ للخلوة مع كل من ادعى أنه ناصح له ، ويستمع إلى قوله ، ويعزم على قلبه ألا يغتر بكل قول يسمعه ، وألا يعجل إلى قوله ، ولا يعمل بكل ما ينهى إليه ، بل يتأمل « 1 » أقاويلهم ، ويتعرّف أغراضهم غاية التعرف ، ليقف من معرفة أغراضهم على حقيقة أقاويلهم . وإذا لاح له « 2 » وجه الصواب وحقيقة الأمر في شئ مما ألقوه إليه ، بادر إلى إنفاذ الأمر فيه . وليكن تلقيه لكل منهم بهشاشة وإظهار للحرص « 3 » على ما يلقيه إليه .
ومنهم الصلحاء ، وهم ناس يتبرعون لإصلاح ما بين الناس ، فيجب على المرء أن يمدحهم أبدا على ما يفعلونه ، وأن يتشبه بهم في جميع أحواله . فان مذاهبهم مرضية عند جميع الناس . ومهما تشبه المرء بهم ، عرف بالخير وحسن النية ، وميز من السفهاء .
فأما السفهاء فيجب على المرء أن يستعمل معهم الحلم ، وألا يواثبهم ولا يقابلهم بما هم « 4 » فيه من السفاهة ، بل يتلقاهم أبدا بحلم رزين « 5 » وسكون بليغ ، ليعرفوا قلة مبالاته بما هم فيه ولا يؤذونه . ومتى تلقوه بالشتم والسفه ، فيجب أن يتلقاهم بالمحقرة وقلة الاكتراث .
ومنهم أهل الكبر والمنافسة . فيجب على المرء أن يقابلهم بمثله ، لأنهم [ 140 ب ] إن تواضع لهم أحسوا فيه « 6 » بضعف ، وتوهموا أن فيه لينا ، وأن فعلهم ذلك « 7 » صواب ، وأنه لا بد للناس من التواضع لهم . ومتى « 8 » ما تكبر المرء عليهم وكابرهم
هامش
( 1 ) ص : تأمل .
( 2 ) له : ناقصة في ط .
( 3 ) ط : حرص لما يلقيه اليه .
( 4 ) هم : ناقصة في س .
( 5 ) س : وزين .
( 6 ) س : بالضعف .
( 7 ) س : صوابا .
( 8 ) ص : ومتى تكبر .
م - 22 الحكمة الخالدة