ونقول الآن في تحصين الأسرار « 1 » ، وفي استخراجها من المناوئين .
وإذا عرف المرء أحد هذين البابين حصلت له المعرفة بالباب الآخر . ولكل طائفة من أهل الطبقات الثلاث نوع من التحصين ، ونوع من الاستخراج . وما نذكره من الأصول فيها « 2 » يصلح لكل طائفة منها على مقداره ومرتبته .
فأول منافع تحصين الأسرار وكتمانها هو أن يكون المرء أبدا قادرا على إجالة « 3 » الرأي في تدبيره وعلى إنفاذه والإمساك عنه إلى أن يتجه له وجه الصواب فيه . فإنه ما دام الأمر مكتوما ، كان قادرا عليه . فإذا ظهر ، خرج الأمر عن يده ولم يقدر عليه . وفي كتمان الأمر « 4 » والآراء والتدابير « 5 » سلامة « 6 » الآفات : ومن آفاتها الأعراض التي تعرض من إذاعتها ، فتصير موانع من إنفاذها ، ويغبى ذو « 7 » الرأي عن رأيه بتلك الأعراض .
ومنها ذهاب حدته وثمرة رأيه ونفاذه في جدته وطراءته .
ومنها أن الرأي إذا ظهر قصد بالمناقضة . وإذا كان محصنا سلم من المناقضة « 8 » .
ولكل أمر نقيض .
ومنها أن المرء الذي فيه التدبير والرأي [ 142 ] لا يفطن له حتى يقع به فيبهته ويرد عليه ما لا يحتسبه . وإذا ظهر قبل الوقوع ، قوبل بالتحرز والتحفظ وبطل الرأي والتدبير ، وتعطل الوقت الذي أفنى في إحكامه .
ولا بد للمرء من المشاورة مع غيره في آرائه وتدبيراته . فينبغي أن يستودعها ذا النبل وكبر « 9 » الهمة وعزة النفس وذوى العقل « 10 » واللب . فان أمثالهم لا يذيعونها ؛
هامش
( 1 ) ص : الأسرا . - س : في تحصيل الأسرار .
( 2 ) س : قبل .
( 3 ) ط : إحالة ( بالحاء المهملة ) ، وكذا في س .
( 4 ) الأمر : ناقصة في ط . - ص ، ط : التدبير ؛ وما أثبتناه عن س .
( 5 ) ط : عن .
( 6 ) س : اضاعتها .
( 7 ) ص : وتعنى . - غبي الشئ وعنه ( من باب علم ) يغبى غبا وغباوة ( واوى ) : لم يفطن له .
( 8 ) وإذا كان . . . المناقضة : ناقصة في س .
( 9 ) ط : وكبر النفس وذوى العقل .
( 10 ) س : العقول .