الاستقصاء ، والممنوع محروص عليه ، والمبذول مملول منه . ويجتهد في أن يظهر في كل ما يقتنيه أنه إنما يفعله لتكون زينته وجماله للرئيس ، لا لنفسه ، فإنه ملاك الإبقاء . وليحذر أن يتخذ لنفسه شيئا مما ينفرد به الرئيس أو مما يليق بالرؤساء الذين فوقه ، فان كل من اتخذ شيئا من ذلك فقد عرض نفسه للهلاك ، وعرض ذلك الشئ للذهاب .
وينبغي ألا يظهر من نفسه الاستغناء عن الرؤساء ، ولا فيما يقل مقداره ؛ وأن يكون مظهرا أبدا قناعة ورضا بكل ما يتصرف فيه من الأمور والأموال .
ومتى ما لحقته سخطة من الرئيس أو ملال أو ما أشبهه فليجتهد في ترك الشكاية عنده ، وليحذر من إظهار العداوة له والحقد ، وليصرف وجه الذنب فيه إلى نفسه . ثم ليجتهد وليتلطف لتجديد حال [ 139 ا ] تزيل تلك السخطة بأهون ما يقدر عليه . فهذه قوانين ينتفع باستعمالها في معاشرة الرؤساء .
فأما « 1 » التي ينبغي أن يستعملها مع الأكفاء فسنذكر منها ، ونقول : إن الأكفاء لا يخلون من أن يكونوا أصدقاء أو أعداء ، أو لا أصدقاء ولا أعداء .
والأصدقاء صنفان : أحدهما الأصفياء المخلصون في الصداقة ، وينبغي للمرء أن يديم ملاطفتهم وتعهد أسبابهم وإهداء ما يستحسنه وما يتيسر له إليهم في كل وقت ويحيى الحال فيما بينه وبينهم بذلك من غير أن يظهر منه ملال أو تقصير ويجتهد في الاستكثار منهم ، فان الصديق زين المرء وعضده وعونه وناصره ومذيع فضائله وكاتم هفواته وماحى زلاته . ومهما كان « 2 » هؤلاء أكثر ، كانت أحوال المرء فيما بينهم أحسن وأقوم . والصنف الآخر هم الأصدقاء في الظاهر من غير صدق فيما يظهرونه ، بل بتشبه وتصنع - فينبغي للمرء أن يجاملهم ويحسن إليهم ولا يطلعهم على شئ من أسراره ، وخصوصا من عيوبه ، ولا يلقى إليهم خواص أحاديثه وأحواله ، ولا يحدثهم عن نعمه ولا عن أسباب منافعه ، وليجتهد في استمالتهم والصبر معهم ، ومعاملتهم بحسب الظاهر دون أخذهم بالبواطن ، ولا يأخذهم بالتقصير ولا يقطع عتابهم فيما يقع منهم من التقصير ،
هامش
( 1 ) س : وأما الذي ينبغي . . .
( 2 ) ص ، س : هو .