والسلامة أبدا مع الكثير . وينبغي ألا تغرّه الواقعات في الندرة وفي الآراء المزخرفة ، فان أكثرها أباطيل إذا تؤمل نعمّا .
ثم ينبغي أن تعلم أن المكافأة واجبة في الطبيعة ، وأنها إنما تجب في الأعمال المقرونة بالنيات . والدليل على ذلك أن المرء لا يجازى على ما يعمله في نومه ، ولا على ما ليس بإرادته [ 137 ا ] واختياره ، مثل سعاله وعطاسه وحياته وموته وتنفسه ، ولا على اغتذائه واستفراغه - وإن كان فيها بعض الإرادة . ولا يجازى أيضا على نيّاته المجردة .
وأول ما ينبغي أن يستدل المرء به على وجوب المكافأة « 1 » هو أنه إذا عرف ربه واعتقد ذكرنا من وحدانيته وتنزهه عن صفات المخلوقين ومعرفة رسوله في أي زمان كان وانتهج النهج الواضح ، وجد في صدره سعة ، وفي أحواله استقامة ، وعن الأشرار سلامة ، وعند الأخيار حظوة ، وفي معاشه سدادا بمقدار ما يفعله وينويه منه . فإذا تيقن « 2 » ذلك فينبغي له أن يقدم على سياسة أحواله بقلب قوى ونية صادقة وصدر واسع وثقة بأن ما يأتيه من ذلك - وإن قلّ - يجدى عليه نفعا يجلّ .
ويبدأ بتعهد الرؤساء بما سنصفه فنقول : إن الإنسان لا يخلو مع من فوقه من الرؤساء من أن يكون متصديا لخدمته ، أو يكون بينه وبينه حال يلقاه بها في بعض الأوقات ، أو يكون بالبعد عنه لا يلقاه إلا بالذكر . فواجب على المرء أن يستعمل - مع من هو متصدّ لخدمته - ما نقوله : وهو أن يكون بينه وبينه اتصال وملازمة دائمة لما هو بصدده ، ويكون مواظبا على ما فوض إليه ، ويجتهد أبدا أن يكون نصب عينه إذا ذكره ولا ينسى الملال « 3 » ، وخصوصا من الملوك ، لأن موضع « 4 » الملال إنما يكون عند كثرة غشيان الناس المواضع التي ليس لهم فيها عمل ، وأن يكون مادحا له مقرظا لجميع ما يأتيه الرئيس من
هامش
( 1 ) ص : وهو . وكذلك في س .
( 2 ) س : تبقى .
( 3 ) س : المال - وهو تحريف ظاهر .
( 4 ) س : مواضع .