دقّ « 1 » وجلّ ، مجتهدا في تحسين كل [ 137 ب ] ما يفعله ويقوله ، وهو واجد « 2 » ذلك إذ ليس شئ من أمور العالم إلا وله وجهان : أحدهما جميل ، والآخر قبيح ، فليطلب لكل أمر من أموره وجها جميلا يصرفه إليه ، ويتكلف ذكره بحضرته وغيبته . فإن كان المرء ممن إليه تدبير ذلك الرئيس - مثل أن يكون وزيرا أو مشيرا أو معلما ، ولا بد له من تعريفه وجه الصلاح في الأعمال - فليعلم أن الرئيس كالسيل المنحدر من الربوة إن أراد المرء أن يصرفه إلى ناحية من النواحي وواجهه أهلك نفسه « 3 » وأتى عليه السيل فغرّقه . فان سعى معه وعلى جانبيه وتلطف لصرفه إلى الناحية التي يريدها بأن يطرح في بعض جوانبه مقدارا من السدد « 4 » وتطرق له من الجانب الآخر لا ينشب أن يصرفه حيث شاء .
وينبغي له أيضا أن يستعمل مع الرئيس في صرف وجهه عما يريد صرفه عنه أن يجرى معه فيما هو جار نحوه ولا يواجهه بأمر ولا نهى ، بل يريه وجه الصلاح في خلاف ما يأتيه ويقبح عنده - في الوقت بعد الوقت ، على سبيل الحكايات عن غيره والحيل اللطيفة - بعض ما يعرض مما هو فيه . فإنه إذا استعمل معه هذه « 5 » الطريق لا يلبث أن تعود الحال بمراده وأن يكون كاتما لأسراره .
والحيلة في ذلك أن يكتم جميع أحواله « 6 » الظاهرة بما يقدر عليه . فان من كان كاتما « 7 » للأحوال الظاهرة ، فكم بالحرى ألا يعثر منه على إفشاء سر باطن ! ولا يؤمن على السر المكتوم أن يظهر ببعض الأحوال الظاهرة ، لأن الأمور والأحوال متصلة متعلقة بعضها ببعض . وأن يعلم [ 138 ا ] أن للرؤساء همما ينفردون بها عمن « 8 » سواهم من الناس ، وهي أنهم يعتقدون في جميع من دونهم الاستخدام والاستعباد ، وفي أنفسهم الإصابة في جميع ما يأتونه . وإنما تحدث هذه الهمة فيهم لكثرة مدح الناس لهم وإطرائهم أعمالهم وتصويبهم آراءهم ، وذلك في طباع
هامش
( 1 ) أي من دقيق ما يأتيه وجليله .
( 2 ) ص ، ط : واحد .
( 3 ) ط : أهلكه .
( 4 ) جمع سدة ( بضم السين وتشديد الدال ) : جريد يشد بعضه إلى بعض ؛ الأبواب ؛ الظلل . - وفي ط : بفتح السين والدال بعدها .
( 5 ) س : هذا .
( 6 ) س : أسراره .
( 7 ) س : فان من كتم الأحوال . .
( 8 ) س : عن .