وينتفع المرء باستعمال السياسات مع هؤلاء الطبقات الثلاث : أما مع الأرفعين فلينال مرتبتهم ، وأما مع الأكفاء فليفضل عليهم ، وأما مع الأوضعين فلئلا ينحط إلى مرتبتهم .
ونقول أيضا إن أنفع الطرق التي يسلكها المرء في استجلاب علم السياسة وغيرها من العلوم - إذ هو الطريق لا غير - أن يتأمل أحوال الناس وأعمالهم ومتصرّفاتهم : ما يشاهد وما غاب عنه مما سمعه وتناهى إليه منها ؛ وأن ينعم النظر فيها ويميز بين محاسنها ومساوئها ، وبين النافع والضار لهم منها ، ثم ليجتهد في التمسك بمحاسنها ليناله من منافعها ما نالهم ، وفي التحرز من مساوئها ليأمن مضارها ويسلم من غوائلها مثلما سلموا .
ونقول أيضا إن لكل شخص من أشخاص الناس قوتين « 1 » : إحداهما عاقلة ، والأخرى بهيمية . ولكل واحدة منهما إرادة واختيار ، وهو كالواقف بينهما . ولكل واحدة « 2 » منهما نزاع « 3 » غالب : فنزاع القوة البهيمية نحو مصادفة اللذات العاجلة الشهوية ، مثل أنواع الغذاء وأنواع الاستفراغات وأنواع الاستراحات .
ونزاع القوة النطقية نحو العواقب المحمودة ، مثل أنواع العلوم وأنواع الأفعال التي تجدى العواقب الفاضلة « 4 » [ 135 ا ] السليمة . وأول ما ينشأ الإنسان يكون في حيز البهائم إلى أن يتولد فيه العقل أولا أولا وتقوى فيه هذه القوة ، فالقوة « 5 » البهيمية إذا أغلب عليه . وكلما كان أقوى وأغلب ، كانت الحاجة إلى إخماده وتوهينه « 6 » وأخذ الأهبة والاستعداد له أشد . فواجب على كل من يروم نيل فضيلة ألا يتغافل عن تيقيظ نفسه في كل وقت وتحريضها « 7 » على ما هو أصلح له ، وألا يهملها ساعة واحدة ؛ فإنه متى أهملها وهي حية - والحي متحرك - لم يكن لها بد من أن تتحرك نحو الطرف الذي هو بهيمى ؛ وإذا تحركت نحوه تشبثت ببعض منه ، حتى إذا أراد « 8 » ردها عما تحركت نحوه لحقه من النصب
هامش
( 1 ) قوتان : في ص وط . وفي س كما أثبتنا .
( 2 ) ص وط : واحد .
( 3 ) س : إرادة نزاع .
( 4 ) ص : الفاضلة جدا السليمة .
( 5 ) ط : والقوة .
( 6 ) ط : توهيته .
( 7 ) ص : تحريضها .
( 8 ) ط : أرادها .