فصل [ في النفوس ]
إن النفوس ، وإن غمضت مواضعها ، وخفيت أوعيتها ، ولطفت مسالكها - فهي أوعية حكمة لا تعدو معادن خيرات لا تنزح ، وخزائن عجائب لا تحصى .
ثم هي مدبرة الأبدان وجوارحها ، والقائمة على سياستها ، والمسلطة على استخدامها وهي المعطاة خزائم الأجساد المطيعة لها ، وهي المملكة تصريف أعنتها . إليها تتناهى الجوارح بأعمالها ، وإليها تؤدى مكاسبها وتنتظر فضلها فيما توصل إليها من المعارف بالحواس ، وعنها تصدر الأقضية ، وإليها يأوى المحصول متصلة بالالهام والتأييد وقبول التوفيق . ولذلك قصدت إليها مكايد الشيطان ، وحشدت عليها غوائل المغتالين ؛ فليس يضرها نقص المشاعر مع تمامها ، ولا وهن الجوارح على قوتها ، ولا تخاذلها مع انتصارها [ 121 ب ] ، ولا غفلتها مع تحفظها . فلا تغيبوا عن معارك النفوس فيستولى عليها « 1 » عدوكم ، ولا تعطلوا أفهامكم عن مشارفة سرائركم فتفسد علانيتكم ، ولا تخلوا منها مقام عقولكم فتستباح حرائمكم ، فان حرائم النفوس أضر استباحة ، والغلبة عليها أنكأ جراحة ، وسباؤها أعظم ترة ، وأسرها أعسر فكاكا ، وأودها أبطأ استقامة ، وغصبها أكبر « 2 » مرزية .
رب حيرة أدخلها على القلوب تقصيرها في العلم ، وإدهانها « 3 » في الرخص ، وتمينها « 4 » في العبادة ، واحتجابها عن استماع الحجة ، وتصاممها « 5 » عن منادى الحقيقة ، وتعاشيها دون برهان البصيرة . وليس كل عطية من اللّه استجابة ، ولا كل هبة مرضاة . وهذه ثلمة يدخل منها الشيطان ، ولم يخلها اللّه تعالى « 6 » من إقامة حجة بإزائها ، وتحصين لإعوارها ، وإنهاض لصرعاها . والسلام « 7 » !
هامش
( 1 ) عليها : ناقصة في ط .
( 2 ) ص : وعصيها أكرم ربة .
( 3 ) الادهان : المصانعة والنفاق والمواراة .
( 4 ) التمين : الكذب والتمويه والتضليل .
( 5 ) ط : تصامها .
( 6 ) تعالى : ناقصة في ط .
( 7 ) والسلام : وردت في س وص ، ولم ترد في ط .