المكيدة بأن تعلموا وتقولوا لأنفسكم : أن رب موهوب له نفع الذكر ، ومتهنى بثمرته من غير استدامة له ؛ وتزود القليل المرجو نفعه أقرب إلى الدرك من تعطيل الذكر كله . واعلموا أن مخالب هذه الغوائل وأنياب هذه المكائد ، وإن كثر تعاونها ، يكللها أدنى جنة تتلقى بها ويفلها أيسر متترس بالعلم ؛ إن كيد الشيطان كان ضعيفا . ومن أكبر معارضات الذكر مكيدة وأشدها على أهلها مؤونة وأحجبها لهم عن المعاودة أن يتصل بالذكر تكبير لمعصية كنتم تنطوون على الرخصة فيها ، أو فطام النفس عن عادة في محرم كنتم تدعون تهوينه ، أو تغليظ في إصرار كنتم لا تخافونه ، أو الإخافة من ذنب كنتم استشعرتم الأمن من عقابه ، سيما إن أعان على طمع النفوس تأول آية على غير تأويلها ، أو رجاء في موضع يأس « 1 » من دركها ، أو استهانة في موضع عزيمة في مثلها - هنالك تجادل النفس عن أهوائها بتلك الشبهات ، وتذب عن شهواتها بتلك الأغاليط ؛ ويحملها ذلك على إنكار حقّ [ 121 ا ] تسمعه ، وقبول باطل تميل إليه لتقيم على محرم ألفته وأمنية تركن إليها . وليس يتحرز من هذه المكيدة ونظائرها إلا بمعاقل العلم وبصائر البرهان ؛ ولا ترتقى تلك المعاقل إلا باستشعار التواضع ومهاجرة الأهواء وتجريد العزيمة وإيثار المصدوق .
فأما الفكر فهو مفتاح كل علم ، ومستنبط كل حكمة ، وكاشف كل مستور ، واقتباس من نور اللّه ، وتزود من كل فائدة ، وشحذ للعقول المستبهمة ، وتدارك للحظوة الغائية « 2 » ، وبحث عن الكنوز المذخورة . فأحيوا بالفكر موات الهمم ، واجتهروا « 3 » بها دفائن الحكم ، واكشفوا ضباب الغفلة ، وحادثوا صقال النفوس .
أعاذنا اللّه وإياكم من مواقف الشبهات ومسالك الشهوات ، إنه كريم جواد لطيف بالعباد .
هامش
( 1 ) يأس . . . موضع : ناقص في ط .
( 2 ) ص : الفانية .
( 3 ) اجتهر البئر : نقاها أو نزحها ؛ أي : استخرجوا .