النسيان ، بأن يديم تعهده . وقد سمى قوم من أهل « 1 » الحكمة إدامة نظر العقول « 2 » إلى ما حصلت ذهنا .
وقال : إن الذهن لا ينام ولا يغفل ولا يسكن ولا يغيب عنه عقله ولا يحتاج إلى تذكير ؛ وهي هذه الدرجة العليا التي بها « 3 » يشبه من كانت فيه الملائكة والأرواح ، لأن العقل للبشر والذهن للملائكة ، فلذلك لا يعقل الانسان الشئ إلا بعد التفكر والتطلب والتمييز « 4 » . وأما الملائكة فإنها تنظر بالذهن كما ننظر نحن « 5 » بالعين ، بلا حاجة إلى تفكر وتمييز وتطلب .
فصل [ في الذكر ]
في الذكر جلاء صدأ القلوب ، وتنبيه عن وسن النفوس ، وشحذ لما كلّ من الأفهام ؛ ولا سيما إذا استمع له السامعون باقبال من القلوب على تفهمه وصدق إرادة لهدايته ، وعزم على الانتفاع به ، وتلقّ له بقبوله ، والدوام عليه .
وللذكر ، على كثرة مناقبه وحسن ممادحه ، معارضات تحاول سلبه وتهجينه عند أهله ، يكثر عددها . فأحدها الإياس من إدامته ، والتزهيد في القليل منه ، إذا لم يكن سبيل إلى إدامته - يحاول بذلك الشيطان قطع الذكر [ 120 ب ] وإبعاده عن المسترشدين . ولكن اللّه - تعالى وتقدس - قد وهب لكل ذي عقل قوة يستعين بها على دفع هذه المكائد من الشيطان ، فإنه قل مكتتم « 6 » من العلوم إلا له ما يوضحه ، وقل « 7 » مشتبه إلا فيه بصائر يعطاه مستحقه وطالب الحق منه ، وقل مستغلق إلا له مفتاح يعطاه أهله حجة من اللّه تعالى ليكون بعضه وصلة إلى بعض فيفهم المكتوم بالمكشوف ، والبواطن بالظواهر . فعارضوا هذه
هامش
( 1 ) من أهل الحكمة : ناقصة في « المنتخب » .
( 2 ) ط : نظر العقل إلى ما حصله .
( 3 ) بها : ناقصة في ط .
( 4 ) هذه التفرقة هنا بين العقل والذهن تسترعى النظر . فالعقل هنا يناظرecnegilletniأوtcelletni , tfnunreV؛ والذهن يناظرnoitiutni.
( 5 ) نحن : زيادة في « المنتخب » .
( 6 ) ص ، ط : ما اكتتم .
( 7 ) ص : قل ما اشتبه .