تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨

ومن « 1 » الآداب أيضا :

إذا تم العقل التحم به الأدب كالتحام الطعام بالجسد الصحيح : فهو يغذوه ويربيه ، وإذا نقص العقل نبا عنه ما يسمع من الأدب كما نبا عن المصفور « 2 » ما أكل من الطعام . وإن آثر الجاهل أن يحفظ شيئا من الأدب تحول ذلك الأدب فيه جهلا كما يتحول ما خالط جوف المريض [ 110 ب ] من طيب الطعام داء . فإذا كان الأمر على هذا فأحمد العقلاء من كان عقله عن صحة طبيعة ، وكان رأيه عن سبب معرفة ، وعلمه من قبل حجة ، وزين منطقه من صدق مقال ، وحسن عمله من حسن نية ، وحسن أدبه من فضل رغبة ، وكثرة عطائه عن سماح نحيزة « 3 » ، وأداء أمانته عن صدق عفاف ، واجتهاد سعيه في قصد سبيل ؛ ثم وصل الطبيعة بحسن العادة ، وذكاء العقل بشدة الفحص ، ونفاذ الرأي بدرك المنافع ، وصدق المنطق بحسن الأدب ، وحسن الأدب بكثرة التعهد « 4 » ، وكثرة العطاء بصواب الموضع ، واجتهاد السعي بشدة الورع . فإذا غلب الهوى العقل صرف محاسن جماله إلى المساوئ فجعل الحلم حقدا ، والعلم رياءا ، والعقل مكرا ، والأدب فخرا ، والبيان هذرا ، والجود سرفا ، والقصد بخلا ، والعفو جبنا . فإذا بلغ من صاحبه ذلك ، تركه لا يرى الصحة إلا صحة الجسد ، ولا العلم إلا ما استطال به ، ولا الغنى إلا في مكسبة المال ، ولا الثقة إلا في اتخاذ الكنوز ، ولا الأمن إلا في قهر الناس . وكل ذلك مخالف للقصد ، مباعد من البغية ، مقرب من الهلكة . وإذا غلب العقل الهوى صرف المساوئ إلى المحاسن ، فجعل البلادة حلما ، والحدة ذكاءا ، والمكر عقلا ، والهذر بلاغة ، والعى صمتا ، والعقوبة أدبا ، والجرأة عزما ، والجبن حذرا ، والاسراف جودا . فالسعيد « 5 » من الناس العاقل : من العقل أوفر طباعه ، والعلم أفضل ذخائره ،
هامش
( 1 ) ومن الآداب أيضا : في ص ، وناقص في س وط وف . ( 2 ) صفر الرجل صفرا ( بالبناء للمجهول ) : اجتمع في بطنه الصفار ، فهو مصفور . والصفار حية في البطن تلتصق بالضلوع فتعضها عند الجوع ، وقيل حيوان آخر يعض الضلوع والشراسيف ، وقيل دود في البطن . ( 3 ) النحيزة : الطبيعة . ( 4 ) ط وس : التعاهد . ( 5 ) ط : والسعيد .