بحاملها مع قلة غنائها ونزارة ثمنها . ثم اجتهد في ابتغاء صالح العمال ، فان العامل من الملك بمنزلة السلاح من المقاتل . فإذا قعد بالوالي عمال الصدق ، فقد نزل به ما ينزل بالمقاتل إذا بقي بلا سلاح . وليكن رأس ما تعمل به أن تعلم الناس أن معروفك لا يوصل إليه إلا بمعونتك على الحق ؛ وتوطن أهل الباطل ومن يفسد في الأرض أنفسهم منك على العقوبة الفادحة ، فان بذلك تقوّم ملكا وتعد حكيما .
وبعد ! فانى لست آمن عليك [ 95 ا ] الزلل في الأمور بعد الاجتهاد ، وليس يثبت العذر إلا بعد الاجتهاد في درك الصواب . فإذا « 1 » اشتبكت بك الأمور وعميت عليك ، فليكن مفزعك فيها إلى العلماء ، فان أدنى غايات الفضل « 2 » الذي يصلح عليه أمر الوالي أن يكون عنده من الرأي ما يعلم به فضل العالم على الجاهل ، وفضل خطر المرزية إذا وردت عليه . وقد قال أفلاطن : « من ميز عقول العقلاء استبانت له الأمور مثل ما يستبان من المصابيح في ظلمة الليل » .
ولعل رأيك أن يؤديك إلى أن بعض الناس يزدريك لاقتباسك منهم ؛ أو يستخف بأمرك عندهم . فان عرض هذا بقلبك فاطّرحه أشد الاطراح ، فان الذي تسعد به من الأمور بالعلم وتفوز به من مخالفة أهل الجهل أفضل لك نفعا وأعظم خطرا من أن يعادله شئ سواه ، مع أن الناس فيك رجلان : عالم يزيدك عنده طلب العلم فضلا ، وجاهل لا يرغب في موافقته . واعلم أنه ليس من أحد يخلو من عيب وفضيلة ، فلا يمنعنّك عيب رجل من الاستعانة به فيما عنده ( من ) منفعة وفضيلة .
ولا تحملنك فضيلة رجل على الاستعانة فيما لا معونة عنده عليه . واعلم أن وجود أعوان السوء أضر عليك من فقدان أعوان الصدق . واعلم أن العدل ميزان اللّه في أرضه : به يؤخذ للضعيف من القوى ، وللمحق من المبطل . فمن أزال ميزان اللّه - عز وجل « 3 » - عما وضع « 4 » له بين عباده جهل أعظم الجهالة ، وأعور أشد الاعوار « 5 » ، واغتر باللّه أشد الاغترار . واستعن على أمورك بخلتين : إحداهما
هامش
( 1 ) ط : وإذا .
( 2 ) ط : الفعل .
( 3 ) عز وجل : ناقصة في ط .
( 4 ) ط : عما وضعه بين . . .
( 5 ) الاعوار : الريبة ؛ ورجل معور : قبيح السريرة ؛ ومكان معور :
مخوف ؛ والأعور : الردىء من كل شئ .