مصلحك ومصلح على يدك فالزهد . واعلم « 1 » أن الزهد يتم [ 93 ا ] باليقين ، واليقين يحصل بالفكر . فإذا فكرت في الدنيا لم تجدها أهلا لأن تكرمها بهوان الآخرة ، لأن الدنيا دار بلاء ومنزل قلعة « 2 » . وقد قال أوميرس « 3 » الشاعر :
« كل ضد مخالف ضده ، ولا خير في شئ يزول ويذهب » . اتهم أخلاقك السيئة ، فإنها إذا اتصلت بها حاجاتها من الدنيا كانت كالحطب للنار ، وكالماء للسمك ؛ وإذا عزلتها عنها « 4 » وحلت بينها وبين ما تهوى انطفأت كانطفاء النار عند فقدان الحطب ، وهلكت « 5 » كهلاك السمك عند فقدان الماء .
إذا أردت الغنى فاطلبه بالقناعة ، فان من لم تكن له قناعة فليس المال مغنيه « 6 » وإن كثر ؛ وقد قال أو ميرس « 7 » الشاعر : « لا مال عند من ترك القناعة ، ولا خير في المرء لم إذا لم يكن قنوعا « 8 » » . واعلم أن من علامة تنقل الدنيا وكدر عيشها أنه لا يصلح منها جانب إلا بفساد آخر ، فلا سبيل بصاحبها إلى عز إلا بتذلل ، ولا إلى استغناء إلا بافتقار . واعلم أن الدنيا ربما أصيبت بغير حزم في الرأي ولا فضل في الدين ؛ فان أصبت حاجتك منها وأنت مخطىء ، أدبرت « 9 » عنك وأنت مصيب ، فلا يستخفنك ذلك إلى معاودتها ومجانبة الصواب .
لا تضنن على الناس بما ترغب فيه ، ولا تأت إليهم بما تكره أن يؤتى إليك .
قاتل هواك ، وأقصر رغبتك ، واكفف شهوتك ، وأحلل الحقد من قلبك ، وطهر من الحسد نفسك ؛ واقبض إليك أملك ، فان الأمل إذا بسطته أقسى قلبك وشغلك عن معادك ؛ وليكن « 10 » مما تستعين به على إطفاء الغضب علمك بأن الزلل لا يخلو منه [ 93 ب ] أحد ، وبه وقع صاحبك ، ولعل عدوا لك حمله على ذلك . فان أطعت هواك في أخيك الذي أتى على يديه الذنب إليك فقد أشمتّ
هامش
( 1 ) واعلم أن الزهد : ساقطة من ف .
( 2 ) القلعة ( بضم القاف وسكون اللام ) : من المال : ما لا يدوم ، وفي حديث علي بن أبي طالب : أحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة : أي تحول وارتحال .
( 3 ) ط : أميرس .
( 4 ) ف : عنك .
( 5 ) ص ، ف : فهلكت .
( 6 ) ف : معينه .
( 7 ) ط : أميروس . الشاعر : ناقصة في ط .
( 8 ) ط : قنعا .
( 9 ) ص : وأدبرت .
( 10 ) ص : ما .