عدوك به وظاهرته على أخيك ومكنته من بغيته . فما أحقك ، يا إسكندر ، أن تعتاض من طاعتك له هلكة ، ومعصيتك له سلامتك - وهو هواك ؛ ولعلك يا إسكندر ترى أن عقوبتك تنكيل به عن الذنب ، أو زيادة في الأدب . فان هممت بذلك فاصدق نفسك ، وفتش عن ضميرك وسريرتك دون ظاهرك وعلانيتك . وانظر : أجميل الذكر تريد ، أم شفاء الغيظ ؟ - فان كنت تريد الانتقام للغضب ، فان الغضب مر ، والمر لا يجتنى ثمره حلوا ؛ وإن كنت تريد بعقوبتك إياه إصلاحه لك ولنفسه وجميل الذكر وأن تنزع عن ذلك الذنب ، فإنك بالغ بالحرمان والوعيد والجفاء بعض ما يغنيك عن شدة الصولة وعظيم العقوبة . ولا ينبغي أن تستعمل سيفك فيمن تكتفى منه بالحبس ، ولا تسرع بالحبس إلى من تكتفى منه بالجفاء والوعيد ، فإنه بحسب أخلاق المذنبين وتفاوتها يجب أن تكون العقوبة وإن استوت الذنوب . واعلم أنك « 1 » متى نلت مظلمة أو فرطت منك عقوبة ، فان الذي أتيت إلى نفسك من ذلك أشد من الذي أتيت إلى المعاقب إذا لم تكن عاقبته بحق ، ولا الصلاح وحده قصدت بها .
فتأنّ في أمرك ، واجهد ألا يبلى بسيفك وسوطك من كان بريئا ؛ ولا يسلم منك من كان لا يصلح إلا عليهما « 2 » . احذر الشهوات ! وليكن ما تستعين به على كفها عنك علمك بأنها مذهلة لعقلك ، مهجّنة لرأيك ، شائنة « 3 » [ 94 ا ] لعرضك ، شاغلة لك عن عظيم أمرك لأنها لعب ، وإذا حضر اللعب غاب الجد ؛ ولا تقوم الدنيا « 4 » والدين إلا بالجد ، فان نازعتك نفسك إلى الشهوات واللذات واللهو ، فإنها قد نزعت بك إلى « 5 » شر منزلة وأدناها وأخسها وأسقطها وأرادت منك خلاف السنة ، فغالبها أشد المغالبة ، وامتنع منها أشد الامتناع ، وليكن مرجعه « 6 » منك إلى الحق ، فإنك متى تترك الحق فلست تتركه إلا إلى باطل ، ومهما تترك الصواب فإنما تتركه إلى الخطأ . فلا تداهن نفسك
هامش
( 1 ) ط : أنه .
( 2 ) ص : عليها .
( 3 ) ط : سامه ( كذا بدون نقط ) .
( 4 ) ط : الدين والدنيا .
( 5 ) الشهوات . . . إلى ناقصة في ص .
( 6 ) ص : مرجعها .