[ العقل والدين والعلم ]
روى أن بعض الأنبياء أتاه ملك ، فقال : قد جئتك بالعقل والدين والعلم فاختر أيها « 1 » شئت ! - فاختار العقل . فقال الملك : الدين والعلم ارتفقا « 2 » فقالا : أمرنا ألا نفارق العقل . وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عقله أكمل ما فيه كان هلاكه بأكمل ما فيه . يحكى أن أبا ربيعة النحوي قال : حدثت بهذا الحديث الأصمعي « 3 » فقال : هذا حسن ؛ وعندي آخر يشبهه :
كانت العرب تقول : من كانت فيه خصلة هي أكمل من عقله فبالحري أن تكون سبب منيته . فحدثت بهذين الحديثين أبا عبيدة « 4 » فقال : هما حسنان ؛ وعندي أحسن منهما : كانت العرب تقول : من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه . فحدثت بهذه الأحاديث أبا دلف « 5 » فقال : هذه حسان ، وعندي آخر يشبهها : كان العلماء يقولون :
كل شئ إذا كثر رخص ، إلا العقل : فإنه إذا كثر غلا .
فأما حديث الخليل بن أحمد لما اجتمع مع ابن المقفع وما قال أحدهما للآخر « 6 » فهو مشهور « 7 » .
هامش
( 1 ) ف : أيهما .
( 2 ) ف : ارتفعا .
( 3 ) أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي الباهلي ، تلميذ أبى عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ، ولد سنة 123 وعاش نيفا وتسعين سنة - راجع ابن الأنباري 150 ، ابن خلكان 352 ؛ بروكلمن 1 / 104 .
( 4 ) أبو عبيدة هو معمر بن المثنى ، مولى لتيم قريش ، وكان عالما بأخبار العرب وأيامهم ، وكان مع ذلك يبغض العرب ، شعوبيا متعصبا ، ألف في مثالب العرب كتابا ؛ وكان يرى رأى الخوارج ، توفى سنة 210 أو 211 - راجع عنه : « المعارف » لابن قيبة ص 236 ( طبع مصر سنة 1935 ) ؛ ابن خلكان ، ترجمة رقم 702 ، شذرات الذهب 2 / 24 ؛ بروكلمن 1 / 102 ؛ ابن الأنباري ص 137 الخ .
( 5 ) أبو دلف : لعله أبو دلف القاسم بن عيسى ، العجلي ، أحد قواد المأمون ثم المعتصم ، وكان جوادا شجاعا ، أخذ عنه الأدباء والفضلاء ، توفى سنة 225 أو سنة 226 ببغداد - راجع ابن خلكان ، ترجمة رقم 511 .
( 6 ) ف : في الآخر .
( 7 ) أورده ابن خلكان ( ج 2 ص 17 ) هكذا : « اجتمع الخليل وعبد اللّه بن المقفّع ليلة يتحدثان إلى الغداة . فلما تفرقا قيل للخليل : كيف رأيت ابن المقفع ؟ فقال : رأيت رجلا علمه أكثر من عقله . وقيل لابن المقفع : كيف رأيت الخليل ؟ قال : رأيت رجلا عقله أكثر من علمه » .