وقال محمد بن الحنفية في قوله عز وجل « 1 » :
« فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا »
« 2 » - قال : صبرا لا يشوبه الشكوى إلى الناس . فقال : ومن شروط الصبر أن تعرف كيف تصبر ، ولمن تصبر ، وما تريد بصبرك ، وإلا كنت كالبهيمة تصبر أو تضطرب من غير معرفة بحقوق الصبر ولا وضعه في موضعه .
جعل لرجل جعل على أن يسفه الأحنف ، فأتاه ، فقال له « 3 » : يا أبا بحر ! لا حياك اللّه - فضحك ، وقال : هل لك في طعام « 4 » أو شراب ؟
فإنك تحدو بجمل ثقال - وجعل لآخر شئ على أن « 5 » يستخفه ؛ فأتاه فأوسعه شتما ، فتبسم وقال : ما أعلمهم أين وضعوا خطرهم . - وعابه رجل بالدمامة وقال : لأن تسمع بالمعيدى خير من أن تراه - فقال : لقد عبتنى بما لم أوامر فيه .
كان أكثم بن صيفي يقول : من إكرام الرجل نفسه ألا يتكلم بكل ما قد أحاط به علما . والعرب تقول : رب [ 54 ا ] كلمة تقول : دعني !
وكان في محراب غمدان مكتوبا « 6 » بالسند : في صدره : سلط السكوت على لسانك إن كانت العافية من شأنك ، وفي الجانب الأيمن منه : السلطان نار فانحرف عن مكافحتها ؛ وفي الجانب الأيسر منه : ولّ الثكل « 7 » أمّ غيرك .
وقيل لعيسى عليه السلام : دلنا على صالح عمل نستحق به الثواب ! فقال : لا تنطقوا أبدا ! فقالوا : وكيف نستطيع ذلك ؟ فقال : فلا تنطقوا « 8 » إلا بخير .
وقال حكيم : إنما حمد الناس السكوت لأنه وعاء الأخبار « 9 » ، وتأوّلوا قولهم : لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب : إن الكلام لو كان في طاعة اللّه من فضة لكان السكوت والامساك عن معاصيه من ذهب .
هامش
( 1 ) سورة « المعارج » آية : 5 .
( 2 ) ص : فاصبر الصبر الجميل - والتصحيح بالهامش .
( 3 ) له يا : ناقصة في ف .
( 4 ) ف : و .
( 5 ) ف : أنه .
( 6 ) ص : مكتوب / ف : عمدان - راجع عن غمدان وقصر غمدان :
« معجم البلدان » لياقوت ج 6 ص 301 - ص 303 .
( 7 ) ص : الكلل أمر .
( 8 ) ف : لا .
( 9 ) ف : الاختيار .