تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
لأنهم لما عرفوه حقّ معرفته ، تركوا كل شيء سواه ، واشتغلوا به وبذكره سرّا وإعلانا :
« لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ »
فعند ذلك اضمحلت الآراء الفاسدة عن ضمائرهم ، وانحلت الاعتقادات الرديئة عن أفكار نفوسهم ، فوجدوا روحا وراحة وريحانا ولذة يقصر الوصف عنه . وإذ قد تبين في المباحث الحكميّة أن بعض اللذات إنما هو خروج من الآلام ، فاعلم أن اللّه تعالى جعل هذه اللذة والسرور بشرى لأوليائه في الحياة الدنيا ، فأما التي في الآخرة فهي عند اللّه خير وأبقى ، كما قال تعالى :
« قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ »
الآية . لا يشاركهم فيها غيرهم . واعلم أن علّة انحلال الآراء الفاسدة ، واضمحلالها عن قلوب أولياء اللّه عند معرفتهم بربهم ، هو من أجل أنهم اعتقدوها في طلب معرفته ، فلما تبين لهم الحق وعرفوا اللّه حقّ معرفته ، انحلت واضمحل ما كان منها فاسدا أو زورا أو بهتانا ؛ كما حكي عن إبراهيم عليه السلام ، في أول مبدئه في طلب معرفة اللّه تعالى :
« فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ »
إلى قوله :
« وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
. وهكذا كان بدء معرفة الأنبياء ، عليهم السلام ، بربهم في أول نظرهم وعلومهم بصفاته اللّائقة من الأولين والآخرين من ذرية آدم ونوح وإبراهيم ، وممن هداه اللّه واجتباه كما قال تعالى :
« وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً »
وقال :
« وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا »
وقال لنبيه ، عليه السلام :
« ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ . »
وقال له :
« قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
وقال :
« أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي »
الآية . وقال :
« هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »
الآية . وقال :
« يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ »
الآية . وقال :
« لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ »
يعني العلماء . وقال :
« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ . »
وآيات كثيرة في مدح العلماء وحسن الثناء عليهم ، وذمّ الجهّال .